مدارج السالكين

فهذه الشّهادة العظيمة: كلُّ هؤلاء هم بها غيرُ قائمين. وهي متضمِّنةٌ لإبطالِ ما هم عليه وردِّه، كما تضمَّنت إبطالَ ما عليه المشركون وردَّه، وهي مبطلةٌ لقول طائفتي الشِّرك والتّعطيل. ولا يقوم بهذه الشّهادة إلّا أهل التَّوحيد والإثبات الذين يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصِّفات، وينفُون عنه مماثلةَ المخلوقات، ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئًا.

فصل

وإذا كانت شهادتُه سبحانه تتضمَّن بيانَه للعباد ودلالتَهم وتعريفَهم بما شهد به ــ وإلّا فلو شهد شهادةً لم يتمكَّنوا من العلم بها لم ينتفعوا بها، ولم تقم عليهم بها الحجّة، كما أنَّ الشّاهدَ من العباد إذا كانت عنده شهادةٌ ولم يبيِّنها بل كتَمها لم ينتفع بها أحدٌ، ولم تقُم بها حجّةٌ ــ وإذا كان لا يُنتفع بها إلّا ببيانها، فهو سبحانه قد بيَّنها غايةَ البيان بطرقٍ ثلاثةٍ١: السَّمع، والبصر، والعقل.

أمّا السَّمْعُ، فيسمعُ٢ آياته المتلوّة القوليّة المتضمِّنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، وعلوِّه على عرشه فوق سبع سماواته، وتكلُّمِه بكتبه، وتكليمِه لمن شاء من عباده تكلُّمًا وتكليمًا حقيقةً لا مجازًا.

وفي هذا إبطالٌ لقول من قال: إنّه لم يُرِد من العباد ما دلّت عليه آياتُه السَّمعيّةُ من إثبات معانيها وحقائقها التي وُضِعت لها ألفاظها، فإنّ هذا ضدُّ البيان والإعلام، ويعود على مقصود الشّهادة بالإبطال والكتمان. وقد ذمَّ الله

  1. (١) ت: «بينة»، تصحيف.
  2. (٢) في المطبوع: «فبسمع».
470

من كتم شهادةً عنده من الله، وأخبر أنّه من أظلم الظَّالمين. فإذا كانت عند العبد شهادةٌ من الله تُحقِّق ما جاء به رسولُه من أعلامِ نبوّته وتوحيدِ المرسِل وأنَّ إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلُّهم، وكَتَم١ هذه الشّهادةَ، كان من أظلَم الظّالمين ــ كما فعله أعداءُ رسول الله ﷺ من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ــ فكيف يُظَنُّ بالله سبحانه أنّه كتَم الشَّهادةَ الحقَّ التي تشهد٢ بها الجهميّة والمعتزلة والمعطِّلة، ولا يشهد بها لنفسه، ثمَّ يَشهد لنفسه بما يضادُّها ويناقضها، ولا يجامعها بوجهٍ ما؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! فإنَّ الله سبحانه شهد لنفسه بأنَّه استوى على العرش، وبأنَّه القاهر فوق عباده، وبأنَّ ملائكته يخافونه من فوقهم، وأنَّ الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به، وأنَّ العملَ الصَّالحَ يصعد إليه، وأنّه يأتي ويجيء، ويتكلّم، ويرضى ويغضب، ويحبُّ ويبغض، ويُنادي٣ ويفرَح ويضحَك ويعجب، وأنّه يسمع ويُبصر، وأنّه يراه المؤمنون بأبصارهم يومَ لقائه، إلى غير ذلك ممّا٤ شهد به لنفسه، وشهد له به رسولهُ٥.

وشهدت له الجهميّة بضدِّ ذلك٦، وقالوا: شهادتُنا أعدَلُ وأصحُّ من شهادة النُّصوص، فإنّ النُّصوص تضمّنت كتمانَ الحقِّ وإظهارَ خلافه.

  1. (١) ت: «ومن كتم» بزيادة «من» وهي خطأ.
  2. (٢) ت: «شهد».
  3. (٣) كذا في النسخ وكان اقترانه بالفعل السابق «يتكلم» أنسب، وفي ط الفقي: «يتأذَّى».
  4. (٤) ش، د: «كما»، والمثبت من ر.
  5. (٥) ر: «رسله».
  6. (٦) العبارة «مما شهد به ... ذلك» ساقطة من ت.
471

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي