مدارج السالكين

من كتم شهادةً عنده من الله، وأخبر أنّه من أظلم الظَّالمين. فإذا كانت عند العبد شهادةٌ من الله تُحقِّق ما جاء به رسولُه من أعلامِ نبوّته وتوحيدِ المرسِل وأنَّ إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلُّهم، وكَتَم١ هذه الشّهادةَ، كان من أظلَم الظّالمين ــ كما فعله أعداءُ رسول الله ﷺ من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ــ فكيف يُظَنُّ بالله سبحانه أنّه كتَم الشَّهادةَ الحقَّ التي تشهد٢ بها الجهميّة والمعتزلة والمعطِّلة، ولا يشهد بها لنفسه، ثمَّ يَشهد لنفسه بما يضادُّها ويناقضها، ولا يجامعها بوجهٍ ما؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! فإنَّ الله سبحانه شهد لنفسه بأنَّه استوى على العرش، وبأنَّه القاهر فوق عباده، وبأنَّ ملائكته يخافونه من فوقهم، وأنَّ الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به، وأنَّ العملَ الصَّالحَ يصعد إليه، وأنّه يأتي ويجيء، ويتكلّم، ويرضى ويغضب، ويحبُّ ويبغض، ويُنادي٣ ويفرَح ويضحَك ويعجب، وأنّه يسمع ويُبصر، وأنّه يراه المؤمنون بأبصارهم يومَ لقائه، إلى غير ذلك ممّا٤ شهد به لنفسه، وشهد له به رسولهُ٥.

وشهدت له الجهميّة بضدِّ ذلك٦، وقالوا: شهادتُنا أعدَلُ وأصحُّ من شهادة النُّصوص، فإنّ النُّصوص تضمّنت كتمانَ الحقِّ وإظهارَ خلافه.

  1. (١) ت: «ومن كتم» بزيادة «من» وهي خطأ.
  2. (٢) ت: «شهد».
  3. (٣) كذا في النسخ وكان اقترانه بالفعل السابق «يتكلم» أنسب، وفي ط الفقي: «يتأذَّى».
  4. (٤) ش، د: «كما»، والمثبت من ر.
  5. (٥) ر: «رسله».
  6. (٦) العبارة «مما شهد به ... ذلك» ساقطة من ت.
471

فشهادةُ الرَّبِّ تعالى تُكذِّب هؤلاء أشدَّ التَّكذيب، وتتضمَّن أنَّ الذي شهِدَ به بيَّنه١ وأوضَحه وأظهَره حتّى جعله في أعلى مراتب الظُّهور والبيان، وأنّه لو كان الحقُّ ما تقوله المعطِّلة والجهميّة لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه، فإنّ الحقّ الذي في نفس الأمر عندهم لم يشهد به لنفسه، والّذي شهد به لنفسه وأظهره وأوضحه فليس بحقٍّ، ولا يجوز أن يستفاد منه الحقُّ واليقين!

وأمّا آياته العيانيّة الخلقيّة، فالنَّظرُ فيها والاستدلال بها يدلُّ على ما تدلُّ عليه آياته القوليّة السّمعيّة. وآياتُ الرّبِّ: هي دلالاته٢ وبراهينه التي بها يعرفه٣ العباد ويعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه. فالرُّسلُ تخبر عنه بكلامه الذي تكلَّم به وهو آياتُه القوليّة، ويستدلُّون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحّة ذلك وهي آياته العيانيّة، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحَّة ما جاءت به الرُّسل، فتتّفق شهادةُ السّمع والبصر والعقل والفطرة. وهو سبحانه ــ لكمال٤ عدله ورحمته، وإحسانه وحكمته، ومحبّته للعذر، وإقامته للحجّة ــ لم يبعث نبيًّا من الأنبياء إلّا ومعه آيةٌ تدلُّ على صدقه فيما أخبر به.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

  1. (١) ما عدا ر: «نبيّه»، وفي ت بعده: «ﷺ»، واستظهر بعضهم في حاشية ش أن يكون الصواب كما أثبت من ر.
  2. (٢) ر: «دلائله».
  3. (٣) ت: «يعرف».
  4. (٤) ت: «بكمال».
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي