مدارج السالكين

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا يُوحَى١ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٨٣ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٣ - ١٨٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾٢ [فاطر: ٢٥].

حتّى إنّ من أخفى آيات الرُّسل آياتِ٣ هودٍ ﵇، حتّى قال له قومه: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، ومع هذا فبيِّنتُه من أظهر البيِّنات. وقد أشار إليها بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٥٤ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ٥٥ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. فهذا من أعظم الآيات: أنَّ رجلًا واحدًا يخاطب أمّةً عظيمةً بهذا الخطاب غيرَ جزعٍ ولا فزعٍ ولا خوّارٍ، بل هو واثقٌ بما قاله جازمٌ به، فأشهد الله أوّلًا على براءته من دينهم وما هم عليه إشهادَ واثقٍ به، معتمدٍ عليه، مُعْلِمٍ لقومه أنّه وليُّه وناصرُه وغير مسلِّط لهم عليه.

  1. (١) هكذا في النسخ المعتمدة على قراءة أبي عمرو وغيره.
  2. (٢) وقع في النسخ سقطٌ لانتقال النظر وخلطٌ بين آيتي آل عمران وفاطر.
  3. (٣) ت: «كآيات».
473

ثمَّ أشهَدهم ــ إشهادَ مجاهرٍ١ لهم بالمخالفة: أنّه بريءٌ من دينهم٢ وآلهتهم التي يوالون عليها، ويعادون عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها.

ثمّ أكَّد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم، وكونهم يجتمعون كلُّهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثمّ يعالجونه ولا يمهلونه. وفي ضمن ذلك: أنَّكم أضعفُ وأعجزُ وأقلُّ من ذلك، وأنّكم لو رُمتموه٣ لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين.

ثمّ قرَّر دعوته أحسنَ تقريرٍ، وبيَّن أنَّ ربَّه تعالى وربَّهم الذي نواصيهم بيده هو وليُّه ووكيلُه القائمُ بنصره وتأييده، وأنّه على صراطٍ مستقيمٍ، فلا يخذُل من توكَّلَ عليه وآمن به، ولا يُشمِتُ به أعداءَه، ولا يكون معهم عليه، فإنَّ صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.

وتحت هذا الخطاب: أنَّ من صراطه المستقيم أن ينتقمَ ممَّن خرج عنه وعمل بخلافه، ويُنزلَ به بأسه؛ فإنّ الصِّراط المستقيم٤ هو العدلُ الذي الرَّبُّ تعالى عليه، ومنه انتقامُه من أهل الشِّرك والإجرام ونصرةُ أوليائه ورسله عليهم، وأنّه يذهب بهم ويستخلف قومًا غيرهم ولا يضرُّه ذلك شيئًا، وأنّه القائمُ سبحانه على كلِّ شيءٍ حفظًا ورعايةً وتدبيرًا وإحصاءً.

  1. (١) ت: «شهادة مجاهد»، تحريف.
  2. (٢) ت: «منهم».
  3. (٣) ش، د: «رميتهموه»، تحريف.
  4. (٤) لفظ «المستقيم» ساقط من ش، د.
474

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي