ثمَّ أشهَدهم ــ إشهادَ مجاهرٍ١ لهم بالمخالفة: أنّه بريءٌ من دينهم٢ وآلهتهم التي يوالون عليها، ويعادون عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها.
ثمّ أكَّد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم، وكونهم يجتمعون كلُّهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثمّ يعالجونه ولا يمهلونه. وفي ضمن ذلك: أنَّكم أضعفُ وأعجزُ وأقلُّ من ذلك، وأنّكم لو رُمتموه٣ لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين.
ثمّ قرَّر دعوته أحسنَ تقريرٍ، وبيَّن أنَّ ربَّه تعالى وربَّهم الذي نواصيهم بيده هو وليُّه ووكيلُه القائمُ بنصره وتأييده، وأنّه على صراطٍ مستقيمٍ، فلا يخذُل من توكَّلَ عليه وآمن به، ولا يُشمِتُ به أعداءَه، ولا يكون معهم عليه، فإنَّ صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.
وتحت هذا الخطاب: أنَّ من صراطه المستقيم أن ينتقمَ ممَّن خرج عنه وعمل بخلافه، ويُنزلَ به بأسه؛ فإنّ الصِّراط المستقيم٤ هو العدلُ الذي الرَّبُّ تعالى عليه، ومنه انتقامُه من أهل الشِّرك والإجرام ونصرةُ أوليائه ورسله عليهم، وأنّه يذهب بهم ويستخلف قومًا غيرهم ولا يضرُّه ذلك شيئًا، وأنّه القائمُ سبحانه على كلِّ شيءٍ حفظًا ورعايةً وتدبيرًا وإحصاءً.
(١) ت: «شهادة مجاهد»، تحريف.
(٢) ت: «منهم».
(٣) ش، د: «رميتهموه»، تحريف.
(٤) لفظ «المستقيم» ساقط من ش، د.
فأيُّ آيةٍ وبرهانٍ ودليلٍ أحسَنُ من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلّتهم؟ وهي شهادةٌ من الله سبحانه لهم، بيَّنها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله.
وفي «الصحيح»١ عنه ﷺ أنّه قال: «ما من نبيٍّ من الأنبياء إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة».
ومن أسمائه تعالى: «المؤمن»، وهو في أحد التَّفسيرين: المصدِّق الذي يُصدِّق الصّادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم. فهو الذي صدَّق رسلَه وأنبياءه فيما بلَّغوا عنه، وشهد لهم بأنّهم صادقون بالدّلائل التي دلَّ بها على صدقهم قضاءً٢ وخَلْقًا، فإنّه٣ سبحانه أخبر ــ وخبرُه الصِّدق، وقولُه الحقُّ ــ أنّه لابدّ أن يُري العبادَ من الآيات الأفقيّة والنّفسيّة ما يبيِّن لهم أنَّ الوحي الذي بلَّغَته رسلُه حقٌّ، فقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي القرآن، فإنّه هو المتقدِّم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾[فصلت: ٥٢]. ثمّ قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت: ٥٣]. فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أنَّ ما جاء به حقٌّ، ووَعَده أن يُري العبادَ من آياته الفعليّة الخَلقيّة ما يشهد بذلك أيضًا. ثمّ ذكر ما هو أعظَمُ من ذلك وأجلُّ، وهو شهادته سبحانه على كلِّ شيءٍ، فإنَّ
(١) أخرجه البخاري (٤٩٨١) ومسلم (١٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.