مدارج السالكين

فأيُّ آيةٍ وبرهانٍ ودليلٍ أحسَنُ من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلّتهم؟ وهي شهادةٌ من الله سبحانه لهم، بيَّنها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله.

وفي «الصحيح»١ عنه ﷺ أنّه قال: «ما من نبيٍّ من الأنبياء إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة».

ومن أسمائه تعالى: «المؤمن»، وهو في أحد التَّفسيرين: المصدِّق الذي يُصدِّق الصّادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم. فهو الذي صدَّق رسلَه وأنبياءه فيما بلَّغوا عنه، وشهد لهم بأنّهم صادقون بالدّلائل التي دلَّ بها على صدقهم قضاءً٢ وخَلْقًا، فإنّه٣ سبحانه أخبر ــ وخبرُه الصِّدق، وقولُه الحقُّ ــ أنّه لابدّ أن يُري العبادَ من الآيات الأفقيّة والنّفسيّة ما يبيِّن لهم أنَّ الوحي الذي بلَّغَته رسلُه حقٌّ، فقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي القرآن، فإنّه هو المتقدِّم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢]. ثمّ قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أنَّ ما جاء به حقٌّ، ووَعَده أن يُري العبادَ من آياته الفعليّة الخَلقيّة ما يشهد بذلك أيضًا. ثمّ ذكر ما هو أعظَمُ من ذلك وأجلُّ، وهو شهادته سبحانه على كلِّ شيءٍ، فإنَّ

  1. (١) أخرجه البخاري (٤٩٨١) ومسلم (١٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) ت: «نصًّا».
  3. (٣) ت: «فالله».
475

من أسمائه «الشّهيد» الذي لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يعزُب عنه، بل هو مطّلعٌ على كلِّ شيءٍ، مشاهدٌ له، عليمٌ بتفاصيله. وهذا استدلالٌ بأسمائه وصفاته، والأوّلُ استدلالٌ بقوله وكلماته١، والاستدلالُ بالآيات الأفقيّة والنّفسيّة استدلالٌ بأفعاله ومخلوقاته.

فإن قلتَ: قد فهمتُ الاستدلالَ بكلماته والاستدلالَ بمخلوقاته، فبيِّن لي كيفيَّة٢ الاستدلال بأسمائه وصفاته، فإنّ ذلك أمرٌ لا عهد لنا به في تخاطبنا ولا في كتبنا.

قلتُ: أجل! وهو لَعَمْرُ الله كما ذكرتَ، وشأنُه أجلُّ وأعلى، فإنَّ الرَّبَّ تعالى هو المدلول عليه، وآياته هي الدّليل والبرهان.

فاعلم أنَّ الله سبحانه في الحقيقة هو الدّالُّ على نفسه بآياته، فهو الدَّليلُ لعباده في الحقيقة بما نصبَه لهم من الدَّلالات والآيات. وقد أودع في الفِطَر التي لم تتنجَّس بالتّعطيل والجحود أنّه٣ سبحانه الكاملُ في أسمائه وصفاته، وأنّه الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، المنزَّهُ عن كلِّ عيبٍ ونقصٍ. فالكمالُ كلُّه والجلالُ والجمالُ والبهاءُ والعزُّ والعظمةُ والكبرياءُ= كلُّه من لوازم ذاته، يستحيلُ أن يكون على غير ذلك. فالحياةُ كلُّها له، والعلمُ كلُّه له٤، والقدرةُ كلُّها له. والسَّمعُ والبصرُ والإرادةُ والمشيئةُ والرَّحمةُ والغنى والجودُ

  1. (١) ش، د: «بكلماته»، سقط منهما «بقوله و» فزاد بعضهم باء قبل «كلماته».
  2. (٢) ش، د: «كيف».
  3. (٣) ت: «أن الله».
  4. (٤) «والعلم كله له» ساقط من ت.
476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي