مدارج السالكين

من أسمائه «الشّهيد» الذي لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يعزُب عنه، بل هو مطّلعٌ على كلِّ شيءٍ، مشاهدٌ له، عليمٌ بتفاصيله. وهذا استدلالٌ بأسمائه وصفاته، والأوّلُ استدلالٌ بقوله وكلماته١، والاستدلالُ بالآيات الأفقيّة والنّفسيّة استدلالٌ بأفعاله ومخلوقاته.

فإن قلتَ: قد فهمتُ الاستدلالَ بكلماته والاستدلالَ بمخلوقاته، فبيِّن لي كيفيَّة٢ الاستدلال بأسمائه وصفاته، فإنّ ذلك أمرٌ لا عهد لنا به في تخاطبنا ولا في كتبنا.

قلتُ: أجل! وهو لَعَمْرُ الله كما ذكرتَ، وشأنُه أجلُّ وأعلى، فإنَّ الرَّبَّ تعالى هو المدلول عليه، وآياته هي الدّليل والبرهان.

فاعلم أنَّ الله سبحانه في الحقيقة هو الدّالُّ على نفسه بآياته، فهو الدَّليلُ لعباده في الحقيقة بما نصبَه لهم من الدَّلالات والآيات. وقد أودع في الفِطَر التي لم تتنجَّس بالتّعطيل والجحود أنّه٣ سبحانه الكاملُ في أسمائه وصفاته، وأنّه الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، المنزَّهُ عن كلِّ عيبٍ ونقصٍ. فالكمالُ كلُّه والجلالُ والجمالُ والبهاءُ والعزُّ والعظمةُ والكبرياءُ= كلُّه من لوازم ذاته، يستحيلُ أن يكون على غير ذلك. فالحياةُ كلُّها له، والعلمُ كلُّه له٤، والقدرةُ كلُّها له. والسَّمعُ والبصرُ والإرادةُ والمشيئةُ والرَّحمةُ والغنى والجودُ

  1. (١) ش، د: «بكلماته»، سقط منهما «بقوله و» فزاد بعضهم باء قبل «كلماته».
  2. (٢) ش، د: «كيف».
  3. (٣) ت: «أن الله».
  4. (٤) «والعلم كله له» ساقط من ت.
476

والإحسانُ والبِرُّ= كلُّه خاصٌّ له١ قائمٌ به، وما خفي عن الخلق من كماله أعظَمُ وأعظَمُ ممّا عرفوه منه، بل لا نسبةَ لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه!

ومن كماله المقدَّس: اطِّلاعُه على كلِّ شيءٍ، وشهادتُه عليه، بحيث لا يغيب عنه وجهٌ من وجوه تفاصيله، ولا ذرّةٌ من ذرّاته باطنًا وظاهرًا. ومَن هذا شأنه، كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا معه غيره ويجعلوا معه إلهًا آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يُقِرَّ من يكذبُ عليه أعظمَ الكذب ويخبرُ عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثمّ ينصرَه على ذلك ويؤيِّدَه، ويُعليَ كلمته، ويرفعَ شأنه، ويجيبَ دعوته، ويُهلك عدوَّه، ويُظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلّة ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذبٌ عليه مفترٍ، ساعٍ في الأرض بالفساد؟

ومعلومٌ أنَّ شهادتَه سبحانه على كلِّ شيءٍ، وقدرتَه على كلِّ شيءٍ، وحكمتَه وعزَّتَه وكمالَه المقدَّس= يأبى ذلك٢ كلَّ الإباء. ومن ظنّ ذلك به وجوَّزه عليه؛ فهو من أبعد الخلق عن معرفته، وإن عرَفَ منه بعضَ صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة.

والقرآن مملوءٌ من هذه الطّريق، وهي طريقُ الخاصَّة، بل خاصَّةِ الخاصَّة الّذين يستدلُّون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله.

  1. (١) ت: «به».
  2. (٢) ت: «من ذلك».
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي