مدارج السالكين

والإحسانُ والبِرُّ= كلُّه خاصٌّ له١ قائمٌ به، وما خفي عن الخلق من كماله أعظَمُ وأعظَمُ ممّا عرفوه منه، بل لا نسبةَ لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه!

ومن كماله المقدَّس: اطِّلاعُه على كلِّ شيءٍ، وشهادتُه عليه، بحيث لا يغيب عنه وجهٌ من وجوه تفاصيله، ولا ذرّةٌ من ذرّاته باطنًا وظاهرًا. ومَن هذا شأنه، كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا معه غيره ويجعلوا معه إلهًا آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يُقِرَّ من يكذبُ عليه أعظمَ الكذب ويخبرُ عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثمّ ينصرَه على ذلك ويؤيِّدَه، ويُعليَ كلمته، ويرفعَ شأنه، ويجيبَ دعوته، ويُهلك عدوَّه، ويُظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلّة ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذبٌ عليه مفترٍ، ساعٍ في الأرض بالفساد؟

ومعلومٌ أنَّ شهادتَه سبحانه على كلِّ شيءٍ، وقدرتَه على كلِّ شيءٍ، وحكمتَه وعزَّتَه وكمالَه المقدَّس= يأبى ذلك٢ كلَّ الإباء. ومن ظنّ ذلك به وجوَّزه عليه؛ فهو من أبعد الخلق عن معرفته، وإن عرَفَ منه بعضَ صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة.

والقرآن مملوءٌ من هذه الطّريق، وهي طريقُ الخاصَّة، بل خاصَّةِ الخاصَّة الّذين يستدلُّون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله.

  1. (١) ت: «به».
  2. (٢) ت: «من ذلك».
477

وإذا تدبَّرتَ القرآنَ رأيتَه١ ينادي على ذلك، ويبديه ويعيده لمن له فهمٌ وقلبٌ واعٍ عن الله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. أفلا تراه سبحانه يخبر: أنَّ كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يُقِرَّ من تقوَّلَ عليه بعضَ الأقاويل؟ بل لابدَّ أن يجعله عبرةً لعباده، كما جرت بذلك سنَّتُه في المتقوِّلين عليه.

وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. هاهنا انتهى جوابُ الشَّرط، ثمَّ أخبر خبرًا جازمًا غيرَ معلَّقٍ أنّه يمحو الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ.

وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فأخبر أنَّ مَن نفى عنه الإرسالَ والكلامَ لم يقدِّره حقَّ قدره، ولا عرَفَه كما ينبغي، ولا عظَّمه كما يستحقُّ؛ فكيف من ظنَّ أنّه ينصر الكاذبَ المفتريَ عليه ويؤيِّده، ويُظهِر على يديه الآيات والأدلّة؟

وهذا في القرآن كثيرٌ جدًّا: يستدلُّ بكماله المقدَّس وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده، ويدعو عبادَه إلى ذلك، كما يستدلُّ بأسمائه وصفاته على وحدانيّته وعلى بطلان الشِّرك، كما في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. وأضعافُ أضعافِ ذلك في القرآن.

  1. (١) ت: «العزيز وجدته».
478

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي