فأنفعُ الدُّعاء طلبُ العون على مرضاته، وأفضلُ المواهب إسعافُه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضادُّه، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأمّلها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵁: تأمّلتُ أنفعَ الدُّعاء، فإذا هو سؤالُ الله العَون١ على مرضاته. ثمّ رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ويقابل هؤلاء القسم الثّاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة. بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربِّه وحقوقه. فإنّه سبحانه يسأله من في السّماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه ويُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء. وأبغضُ خلقِه إليه٢ عدوُّه إبليس لعنه الله، ومع هذا فسأله حاجةً فأعطاه إيّاها ومتَّعه بها. ولكن لمّا لم يكن عونًا له على مرضاته كانت زيادةً في شقاوته وبعده من الله تعالى وطرده عنه. وهكذا كلُّ من استعان به على أمرٍ أو سأله٣ إيّاه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مُبعدًا له عن مرضاته قاطعًا له عنه ولا بدّ.
فليتأمَّل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أنّ إجابة الله لسائليه ليست
(١) ع: "سؤال العون".
(٢) "إليه" ساقط من ع.
(٣) ش، ع: "وسأله".
لكرامة كلِّ سائلٍ عليه. بل يسأله عبدُه الحاجةَ فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه. ويكون منعُه منها لكرامته عليه ومحبّته له، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظًا لا بخلًا. وهذا إنّما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبّته١، ويعامله بلطفه، فيظنُّ بجهله أنّ ربَّه لا يجيبه٢ ولا يكرمه. ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنَّه بربِّه. وهذا حَشْوُ قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرةٌ. وعلامةُ هذا حملُه على الأقدار وعتابُه الباطن لها، كما قيل:
وعاجزُ الرّأي مِضياعٌ لفرصتهحتّى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدَرا٣
فوالله لو كُشِف عن حاصله وسرِّه لرأى هناك معاتبة القدر واتِّهامه، وأنّه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي، والأمر ليس إليّ؟ والعاقلُ خصمُ نفسه، والجاهلُ خصمُ أقدار ربِّه.
فاحذر كلَّ الحذر أن تسأل شيئًا معيّنًا٤ خيرتُه وعاقبتُه مغيّبةٌ عنك. وإذا لم تجد من سؤاله بدًّا، فعلِّقه على شرط علمِه تعالى فيه الخيرةَ، وقدِّم بين
(١) لم يرد "ومحبته" في ش.
(٢) كذا في جميع النسخ، وقد يكون تصحيف: "لا يحبُّه".
(٣) تمثَّل به المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٣٥) و"الفوائد" (ص ٢٦٤) و"الروح" (٢/ ٦٦٦) أيضًا. وهو في "البيان" للجاحظ (٢/ ٣٥٠) و"عيون الأخبار" (١/ ٣٤) عن الرياشي دون عزو. وعزاه المرزباني في "معجم الشعراء" (ص ٤٨٦) ليحيى بن زياد وروايته: "والمرء تلقاه مضياعًا ... ". وبهذه الرواية في "الدرّ الفريد" (٢/ ٣٤٣ - سز كين) ضمن قصيدة لابن أبي عيينة.