مدارج السالكين

أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ﴾ [الرعد: ٢٧] يعني: أنَّ الآيةَ التي يقترحونها لا تُوجِب هدايةً، بل الله هو الذي يهدي ويضلُّ. ثمّ نبَّههم على أعظمِ آيةٍ وأجلِّها، وهي: طمأنينةُ قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي بكتابه وكلامه ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ﴾ [الرعد: ٢٨]. فطمأنينةُ القلوب الصَّحيحة والفِطَر السَّليمة به وسكونُها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئنَّ القلوبُ وتسكنَ إلى الكذب والافتراء والباطل.

فإن قيل: فلِمَ لا ذَكَر١ سبحانه شهادةَ رسله مع الملائكة، فقال: شهد الله أنّه لا إله إلّا هو والملائكةُ والرُّسلُ٢، وهم أعظم شهادةً من أولي العلم؟

قيل: في ذلك عدّة فوائد:

أحدها: أنّ أولي العلم أعمُّ من الرُّسل والأنبياء، فيدخلون هم وأتباعهم.

  1. (١) في هامش ش مع علامة الظاء: «فلِمَ لَم يذكر» يعني: الظاهر كذا، وكذا في المطبوع خلافًا لما في الأصل. وقد استغرب المحشي دخول لا على الماضي من غير تكرار ولا دعاء. انظر: «لم لا فعلته» في «الجواب الصحيح» (٥/ ٨٤) و«جامع الرسائل» (٢/ ١٣٠) و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٠٩، ٣٢٨). وفي حديث الترمذي (٣٢٨٤) وغيره: «وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا».
  2. (٢) لفظ «الرسل» ساقط من ش، د ولعل ناسخًا لم يفهم السياق وظنَّ الكلام آية.
484

وثانيها: أنَّ في ذكرِ أولي العلم في هذه الشّهادة وتعليقِها بهم ما يدلُّ على أنّها من موجَبات العلم ومقتضَياته، وأنَّ كلَّ من كان من أولي العلم فإنّه يشهد بهذه الشّهادة؛ كما يقال: إذا طلع الهلال واتّضح فإنَّ كلَّ من كان من أهل النّظر يراه، وإذا فاحت رائحةٌ ظاهرةٌ كلُّ١ من كان من أهل الشّمِّ يشمُّ هذه الرّائحة، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ﴾ [النازعات: ٣٦]، أي كلُّ من له رؤيةٌ يراها حينئذٍ عيانًا. ففي هذا بيانُ أنَّ من لم يشهد له سبحانه بهذه الشّهادة فهو من أعظم الجُهَّال، وإن علِمَ من أمور الدُّنيا ما لا يعلمه غيرُه، فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم. وقد بيّنّا أنّه لم يقم بهذه الشّهادة، ويؤدِّها على وجهها إلّا أتباعُ الرُّسل أهلُ الإثبات، فهم أولو العلم، وسائرُ من عداهم أولو الجهل وإن وسَّعوا القول وأكثروا الجدال.

ومنها: الشَّهادةُ من الله سبحانه لأهل هذه الشَّهادة أنَّهم أولو العلم. فشهادتُه لهم أعدَلُ وأصدَقُ من شهادة الجهميّة والمعطِّلة والفرعونيّة لهم بأنَّهم جهَّالٌ، وأنَّهم حشويّةٌ، وأنَّهم مشبِّهةٌ، وأنَّهم مجسِّمةٌ ونوابِتُ ونواصِبُ. فكفاهم شهادُة أصدَقِ الصَّادقين لهم بأنَّهم من أولي العلم، إذ شهدوا له بحقيقة ما شهِد به لنفسه، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، وأثبتوا له حقيقةَ هذه الشَّهادة ومضمونَها؛ وخصومُهم نفَوا عنه حقائقَها، وأثبتوا له ألفاظها ومَجازاتها.

فصل

وفي ضمن هذه الشّهادة الإلهيّة: الثَّناءُ على أهل العلم الشَّاهدين بها

  1. (١) كذا في النسخ دون الفاء.
485

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي