مدارج السالكين

وثانيها: أنَّ في ذكرِ أولي العلم في هذه الشّهادة وتعليقِها بهم ما يدلُّ على أنّها من موجَبات العلم ومقتضَياته، وأنَّ كلَّ من كان من أولي العلم فإنّه يشهد بهذه الشّهادة؛ كما يقال: إذا طلع الهلال واتّضح فإنَّ كلَّ من كان من أهل النّظر يراه، وإذا فاحت رائحةٌ ظاهرةٌ كلُّ١ من كان من أهل الشّمِّ يشمُّ هذه الرّائحة، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ﴾ [النازعات: ٣٦]، أي كلُّ من له رؤيةٌ يراها حينئذٍ عيانًا. ففي هذا بيانُ أنَّ من لم يشهد له سبحانه بهذه الشّهادة فهو من أعظم الجُهَّال، وإن علِمَ من أمور الدُّنيا ما لا يعلمه غيرُه، فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم. وقد بيّنّا أنّه لم يقم بهذه الشّهادة، ويؤدِّها على وجهها إلّا أتباعُ الرُّسل أهلُ الإثبات، فهم أولو العلم، وسائرُ من عداهم أولو الجهل وإن وسَّعوا القول وأكثروا الجدال.

ومنها: الشَّهادةُ من الله سبحانه لأهل هذه الشَّهادة أنَّهم أولو العلم. فشهادتُه لهم أعدَلُ وأصدَقُ من شهادة الجهميّة والمعطِّلة والفرعونيّة لهم بأنَّهم جهَّالٌ، وأنَّهم حشويّةٌ، وأنَّهم مشبِّهةٌ، وأنَّهم مجسِّمةٌ ونوابِتُ ونواصِبُ. فكفاهم شهادُة أصدَقِ الصَّادقين لهم بأنَّهم من أولي العلم، إذ شهدوا له بحقيقة ما شهِد به لنفسه، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، وأثبتوا له حقيقةَ هذه الشَّهادة ومضمونَها؛ وخصومُهم نفَوا عنه حقائقَها، وأثبتوا له ألفاظها ومَجازاتها.

فصل

وفي ضمن هذه الشّهادة الإلهيّة: الثَّناءُ على أهل العلم الشَّاهدين بها

  1. (١) كذا في النسخ دون الفاء.
485

وتعديلُهم. فإنّه سبحانه قرَنَ شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، واستشهد بهم على أجلِّ مشهودٍ به، وجعَلَهم حجّةً على من أنكر هذه الشَّهادة، كما يحتجُّ بالبيِّنة على من أنكر الحقَّ. فالحجّةُ قامت بالرُّسل على الخلق، وهؤلاء نوّابُ الرُّسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد.

فصل

وقد فُسِّرت شهادةُ أولي العلم بالإقرار، وفسِّرت بالتّبيين والإظهار، والصَّحيحُ: أنّها تتضمَّن الأمرين، فشهادتُهم إقرارٌ، وإظهارٌ وإعلامٌ.

وهم شهداءُ الله على النّاس يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا﴾ [الحج: ٧٨] فأخبر أنّه جعلهم عَدْلًا خيارًا، ونوَّه بذكرهم قبل أن يُوجِدهم لما سبق في علمه من اتِّخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة. فمن لم يقم بهذه الشّهادة علمًا وعملًا، ومعرفةً وإقرارًا، ودعوةً وتعليمًا وإرشادًا، فليس من شهداء الله. والله المستعان.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] اختلف المفسِّرون: هل هو كلامٌ مستأنَفٌ، أو داخلٌ في مضمون هذه الشّهادة، فهو بعض المشهود به؟

وهذا الاختلاف مبنيٌّ على القراءتين في كسر «إنّ» وفتحها. فالأكثرون

486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي