مدارج السالكين

لكرامة كلِّ سائلٍ عليه. بل يسأله عبدُه الحاجةَ فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه. ويكون منعُه منها لكرامته عليه ومحبّته له، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظًا لا بخلًا. وهذا إنّما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبّته١، ويعامله بلطفه، فيظنُّ بجهله أنّ ربَّه لا يجيبه٢ ولا يكرمه. ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنَّه بربِّه. وهذا حَشْوُ قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرةٌ. وعلامةُ هذا حملُه على الأقدار وعتابُه الباطن لها، كما قيل:

وعاجزُ الرّأي مِضياعٌ لفرصتهحتّى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدَرا٣

فوالله لو كُشِف عن حاصله وسرِّه لرأى هناك معاتبة القدر واتِّهامه، وأنّه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي، والأمر ليس إليّ؟ والعاقلُ خصمُ نفسه، والجاهلُ خصمُ أقدار ربِّه.

فاحذر كلَّ الحذر أن تسأل شيئًا معيّنًا٤ خيرتُه وعاقبتُه مغيّبةٌ عنك. وإذا لم تجد من سؤاله بدًّا، فعلِّقه على شرط علمِه تعالى فيه الخيرةَ، وقدِّم بين

  1. (١) لم يرد "ومحبته" في ش.
  2. (٢) كذا في جميع النسخ، وقد يكون تصحيف: "لا يحبُّه".
  3. (٣) تمثَّل به المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٣٥) و"الفوائد" (ص ٢٦٤) و"الروح" (٢/ ٦٦٦) أيضًا. وهو في "البيان" للجاحظ (٢/ ٣٥٠) و"عيون الأخبار" (١/ ٣٤) عن الرياشي دون عزو. وعزاه المرزباني في "معجم الشعراء" (ص ٤٨٦) ليحيى بن زياد وروايته: "والمرء تلقاه مضياعًا ... ". وبهذه الرواية في "الدرّ الفريد" (٢/ ٣٤٣ - سز كين) ضمن قصيدة لابن أبي عيينة.
  4. (٤) ش، ج: "مغيَّبًا".
123

يدي سؤالك١ الاستخارة، ولا تكن٢ استخارةً باللِّسان بلا معرفةٍ، بل استخارةَ من لا علمَ له بمصالحه، ولا قدرةَ له عليها، ولا اهتداءَ له إلى تفاصيلها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا٣؛ بل إن وُكِل إلى نفسه هلَك كلَّ الهلاك، وانفرط عليه أمرُه.

وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤالٍ فسَلْه أن يجعله عونًا على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعًا لك عنه، ولا مبعدًا عن مرضاته. ولا تظنُّ أنّ عطاءه٤ كلَّ ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعَه كلَّ ما يمنعه لهوان عبده عليه. ولكن عطاؤه ومنعُه ابتلاءٌ وامتحانٌ يمتحن بهما عباده.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]. أي ليس كلُّ من أعطيتُه ونعَّمتُه وخوَّلتُه فقد أكرمتُه. وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنّه ابتلاءٌ منِّي وامتحانٌ له: أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إيّاه، وأخوِّله٥ غيرَه! وليس كلُّ من ابتليته فضيّقتُ عليه رزقَه، وجعلتُه بقدرٍ لا يفضُل عنه، فذلك من هوانه عليّ؛ ولكنّه ابتلاءٌ وامتحانٌ منِّي له: أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرِّزق، أم يتسخَّط فيكون حظُّه السُّخط!

  1. (١) "يدي" من ج، ع وكذا في هامش م. وفي ش: "وقدم من سؤالك".
  2. (٢) ما عدا ج، ع: "يمكن"، وفي هامش ش: "ظ ولا يكفي". وفي هامش م كما أثبت.
  3. (٣) ع: "ضرًّا ولا نفعًا".
  4. (٤) ما عدا ع: "عطاء".
  5. (٥) ع: "وأخوِّل فيه".
124

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي