مدارج السالكين

بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]. وقال موسى لقومه: ﴿مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٨٤].

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقالت ملكة سبأ: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٤٤﴾ [النمل: ٤٤].

فالإسلامُ دينُ أهلِ السَّماوات ودينُ أهلِ التَّوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه. فأديانُ أهل الأرضِ ستّةٌ: واحدٌ للرَّحمن، وخمسةٌ للشَّيطان. فدينُ الرَّحمن هو الإسلام، والّتي للشَّيطان: اليهوديَّة، والنَّصرانيَّة، والمجوسيَّة، ودين الصَّابئة، ودين المشركين.

فهذا بعضُ ما تضمّنته هذه الآية العظيمة من أسرار التَّوحيد والمعارف. ولا تستطِلِ الكلامَ فيها، فإنَّه أهمُّ من الكلام على كلام صاحب «المنازل»، فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه.

قال١: (وإنّما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحقِّقون إلى ما أشاروا إليه من هذا الطّريق: لقصد تصحيح التَّوحيد، وما سواه من حالٍ أو مقامٍ فكلُّه مصحوب العلل).

يريد: أنَّ التّوحيدَ هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١١٠).
490

والأحوال، فغايتُها كلِّها التَّوحيد، وإنّما كلامُ العلماء والمحقِّقين من أهل السُّلوك كلُّه لقصد تصحيحه. وهذا بيِّنٌ من أوّل المقامات إلى آخرها، فإنّها تشير إلى تصحيحه وتجريده.

قوله: (وما سواه من حالٍ أو مقامٍ فكلُّه مصحوب العلل)، يريد: أنّ تجريد التّوحيد لا علّة معه، إذ لو كان معه علّةٌ تصحبه لم يجرَّد. فتجرُّدُه ينفي عنه العللَ بالكلِّيّة بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال، فإنَّ العللَ تصحبها.

وعندهم أنَّ علل المقامات لا تزول إلَّا بتجريد التَّوحيد. مثاله: أنَّ علَّةَ مقام التَّوكُّل أن يشهد متوكِّلًا ومتوكَّلًا فيه، ومتوكَّلًا عليه، ويشهد نفسَ توكُّله. وهذا كلُّه علّةٌ١ في مقام التَّوكُّل، فإنّه لا يصحُّ له مقامُه إلّا بأن لا يشهد مع الوكيل الحقِّ الذي يتوكَّل عليه غيرَه، ولا يرى توكُّلَه سببًا لحصول المطلوب، ولا وسيلةً إليه.

وفيه علّةٌ أخرى أدقُّ من هذه عند أرباب الفناء، وهي: أنَّ المتوكِّلَ قد وكَلَ أمره إلى مولاه، والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه. قالوا٢: وهذا في طريق الخاصَّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب؛

  1. (١) «ويشهد نفس ... علّة» ساقط من ت.
  2. (٢) الكلام الآتي إلى آخره لابن العريف (ت ٥٣٦) في كتابه «محاسن المجالس» (ص ٧٩ - ٨٠ ط بلاسيوس)، نقل المؤلف بعضه بنصِّه. وفي «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٥ - ٥٧٤) نقله كلَّه بنصِّه معزوًّا إليه ونقده من خمسة عشر وجهًا. وقال في «بدائع الفوائد» (٢/ ٧٦٧): «وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدَّة حاجة العبد إليه في كتاب الفتح القدسي، وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة، وأنه من مقامات العوام، وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة ...».
491

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي