والأحوال، فغايتُها كلِّها التَّوحيد، وإنّما كلامُ العلماء والمحقِّقين من أهل السُّلوك كلُّه لقصد تصحيحه. وهذا بيِّنٌ من أوّل المقامات إلى آخرها، فإنّها تشير إلى تصحيحه وتجريده.
قوله: (وما سواه من حالٍ أو مقامٍ فكلُّه مصحوب العلل)، يريد: أنّ تجريد التّوحيد لا علّة معه، إذ لو كان معه علّةٌ تصحبه لم يجرَّد. فتجرُّدُه ينفي عنه العللَ بالكلِّيّة بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال، فإنَّ العللَ تصحبها.
وعندهم أنَّ علل المقامات لا تزول إلَّا بتجريد التَّوحيد. مثاله: أنَّ علَّةَ مقام التَّوكُّل أن يشهد متوكِّلًا ومتوكَّلًا فيه، ومتوكَّلًا عليه، ويشهد نفسَ توكُّله. وهذا كلُّه علّةٌ١ في مقام التَّوكُّل، فإنّه لا يصحُّ له مقامُه إلّا بأن لا يشهد مع الوكيل الحقِّ الذي يتوكَّل عليه غيرَه، ولا يرى توكُّلَه سببًا لحصول المطلوب، ولا وسيلةً إليه.
وفيه علّةٌ أخرى أدقُّ من هذه عند أرباب الفناء، وهي: أنَّ المتوكِّلَ قد وكَلَ أمره إلى مولاه، والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه. قالوا٢: وهذا في طريق الخاصَّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب؛
(١) «ويشهد نفس ... علّة» ساقط من ت.
(٢) الكلام الآتي إلى آخره لابن العريف (ت ٥٣٦) في كتابه «محاسن المجالس» (ص ٧٩ - ٨٠ ط بلاسيوس)، نقل المؤلف بعضه بنصِّه. وفي «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٥ - ٥٧٤) نقله كلَّه بنصِّه معزوًّا إليه ونقده من خمسة عشر وجهًا. وقال في «بدائع الفوائد» (٢/ ٧٦٧): «وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدَّة حاجة العبد إليه في كتاب الفتح القدسي، وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة، وأنه من مقامات العوام، وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة ...».
لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب، ووقف مع المسبِّب وحده؛ والمتوكِّلُ وإن رفَض الأسبابَ فإنّه واقفٌ مع توكُّله، فصار توكُّله بدلًا من تلك الأسباب التي رفضها، فهو متعلِّقٌ بما رفضه.
وتجريدُ التّوكُّل عندهم وحقيقته١ هو: تخليص القلب من علّة التّوكُّل، وهو أن يعلم أنّ الله سبحانه فرغ من الأشياء وقدَّرها، وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت. فالمتوكِّلُ حقيقةً ــ عندهم ــ هو من أراح نفسه من كدِّ النّظر ومطالعة السَّبب سكونًا إلى ما سبَق له من القَسْم، مع استواء الحالتين عنده، وهو أن يعلَم أنَّ الطلبَ لا ينفع، والتّوكُّلَ لا يجمع٢. ومتى طالع بتوكُّله عوضًا كان توكُّله مدخولًا، وقصدُه معلولًا. فإذا خلَص من رقِّ هذه الأسباب ومطالعة العوض، ولم يلاحظ في توكُّله سوى خالص حقِّ الرَّبِّ سبحانه، كفاه الله تعالى كلَّ مهمٍّ، كما أوحى إلى موسى: كُنْ لي كما أريد، أكُنْ لك كما تريد٣.
وهذا الكلام وأمثاله بعضه صوابٌ، وبعضه خطأٌ، وبعضه محتملٌ.
(١) ت: «عندهم حقيقته».
(٢) في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٦): «أن الطلب لا يجمع وأن التوكل لا يمنع»، وكذا في النسخة التي اعتمد عليها محقق «محاسن المجالس» (ص ٧٩) في متن الكتاب. وفي الأخرى كما ورد هنا.
(٣) أورد ابن العريف حكاية عن موسى ﵇ لخَّصها المؤلف في «طريق الهجرتين» بأنه «في رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ، فوجد الذئب واضعًا عصاه على عاتقه يرعاها، فعجب من ذلك، فأوحى الله إليه ...» وانظر الحكاية في «نزهة المجالس» للصفوري (١/ ٩٩).