مدارج السالكين

لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب، ووقف مع المسبِّب وحده؛ والمتوكِّلُ وإن رفَض الأسبابَ فإنّه واقفٌ مع توكُّله، فصار توكُّله بدلًا من تلك الأسباب التي رفضها، فهو متعلِّقٌ بما رفضه.

وتجريدُ التّوكُّل عندهم وحقيقته١ هو: تخليص القلب من علّة التّوكُّل، وهو أن يعلم أنّ الله سبحانه فرغ من الأشياء وقدَّرها، وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت. فالمتوكِّلُ حقيقةً ــ عندهم ــ هو من أراح نفسه من كدِّ النّظر ومطالعة السَّبب سكونًا إلى ما سبَق له من القَسْم، مع استواء الحالتين عنده، وهو أن يعلَم أنَّ الطلبَ لا ينفع، والتّوكُّلَ لا يجمع٢. ومتى طالع بتوكُّله عوضًا كان توكُّله مدخولًا، وقصدُه معلولًا. فإذا خلَص من رقِّ هذه الأسباب ومطالعة العوض، ولم يلاحظ في توكُّله سوى خالص حقِّ الرَّبِّ سبحانه، كفاه الله تعالى كلَّ مهمٍّ، كما أوحى إلى موسى: كُنْ لي كما أريد، أكُنْ لك كما تريد٣.

وهذا الكلام وأمثاله بعضه صوابٌ، وبعضه خطأٌ، وبعضه محتملٌ.

  1. (١) ت: «عندهم حقيقته».
  2. (٢) في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٦): «أن الطلب لا يجمع وأن التوكل لا يمنع»، وكذا في النسخة التي اعتمد عليها محقق «محاسن المجالس» (ص ٧٩) في متن الكتاب. وفي الأخرى كما ورد هنا.
  3. (٣) أورد ابن العريف حكاية عن موسى ﵇ لخَّصها المؤلف في «طريق الهجرتين» بأنه «في رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ، فوجد الذئب واضعًا عصاه على عاتقه يرعاها، فعجب من ذلك، فأوحى الله إليه ...» وانظر الحكاية في «نزهة المجالس» للصفوري (١/ ٩٩).
492

فقولهم: «إنَّ التّوكُّلَ في طريق الخاصّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب» خطأٌ محضٌ، بل التّوكُّلُ حقيقةُ التَّوحيد، ولا يتمُّ التَّوحيدُ إلّا به. وقد تقدَّم في باب التّوكُّل بيانُ ذلك وأنَّه من مقامات الرُّسل، وهم خاصَّةُ الخاصَّة، وإنّما المتحذلقون المتنطِّعون جعلوه من مقامات العامَّة، ولا أخصَّ من رُسُلِ الله، ولا أعلى من مقاماتهم.

وقولهم: «إنّه رجوعٌ إلى الأسباب»، يقال: بل هو قيامٌ بحقِّ الأمر، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمتُه ربطَ المسببات بأسبابها، وجعل التّوكُّل والدُّعاء من أقرب الأسباب التي تحصِّل المقصود. فالتّوكُّلُ امتثالٌ لأمر الله، وموافقةٌ لحكمته، وعبوديّةُ القلب، فكيف يكون مصحوبَ العلل؟ وكيف يكون من مقامات العامّة؟

وقوله١: «لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب كلّها»، يقال له: هذا الرَّفضُ لا يخرج عن الكفر تارةً، والفسق تارةً، والتّقصير تارةً؛ فإنّ الله أمرَ بالقيام بالأسباب، فإذا رفَضَ ما أمَره الله أن يقوم به فقد ضادَّ الله في أمره. وكيف يحلُّ لمسلمٍ أن يرفض الأسباب كلَّها؟

فإن قلتَ: ليس المرادُ رفضَ القيام بها، وإنّما المرادُ: رفضُ الوقوف معها.

قلتُ: وهذا أيضًا غير مستقيمٍ، فإنَّ الوقوفَ مع الأسباب قسمان:

وقوفٌ مأمورٌ به مطلوبٌ، وهو أن يقفَ معها حيث أوقفه الله ورسوله، فلا يتعدَّى حدودها ولا يقصِّرَ عنها، فيقفَ مع مراعاة حدودها وأوقاتها

  1. (١) كذا هنا بدلًا من «قولهم» كما سبق وكما سيأتي، لأنَّ الكلام أصلًا لابن العريف.
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي