مدارج السالكين

فقولهم: «إنَّ التّوكُّلَ في طريق الخاصّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب» خطأٌ محضٌ، بل التّوكُّلُ حقيقةُ التَّوحيد، ولا يتمُّ التَّوحيدُ إلّا به. وقد تقدَّم في باب التّوكُّل بيانُ ذلك وأنَّه من مقامات الرُّسل، وهم خاصَّةُ الخاصَّة، وإنّما المتحذلقون المتنطِّعون جعلوه من مقامات العامَّة، ولا أخصَّ من رُسُلِ الله، ولا أعلى من مقاماتهم.

وقولهم: «إنّه رجوعٌ إلى الأسباب»، يقال: بل هو قيامٌ بحقِّ الأمر، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمتُه ربطَ المسببات بأسبابها، وجعل التّوكُّل والدُّعاء من أقرب الأسباب التي تحصِّل المقصود. فالتّوكُّلُ امتثالٌ لأمر الله، وموافقةٌ لحكمته، وعبوديّةُ القلب، فكيف يكون مصحوبَ العلل؟ وكيف يكون من مقامات العامّة؟

وقوله١: «لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب كلّها»، يقال له: هذا الرَّفضُ لا يخرج عن الكفر تارةً، والفسق تارةً، والتّقصير تارةً؛ فإنّ الله أمرَ بالقيام بالأسباب، فإذا رفَضَ ما أمَره الله أن يقوم به فقد ضادَّ الله في أمره. وكيف يحلُّ لمسلمٍ أن يرفض الأسباب كلَّها؟

فإن قلتَ: ليس المرادُ رفضَ القيام بها، وإنّما المرادُ: رفضُ الوقوف معها.

قلتُ: وهذا أيضًا غير مستقيمٍ، فإنَّ الوقوفَ مع الأسباب قسمان:

وقوفٌ مأمورٌ به مطلوبٌ، وهو أن يقفَ معها حيث أوقفه الله ورسوله، فلا يتعدَّى حدودها ولا يقصِّرَ عنها، فيقفَ مع مراعاة حدودها وأوقاتها

  1. (١) كذا هنا بدلًا من «قولهم» كما سبق وكما سيأتي، لأنَّ الكلام أصلًا لابن العريف.
493

وشرائطها. وهذا الوقوف لا تتمُّ العبوديّة إلّا به.

ووقوفٌ معها، بحيث يعتقد أنّها هي الفاعلة المؤثِّرة بنفسها، وأنّها تنفع وتضرُّ بذاتها، فهذا لا يعتقده موحِّدٌ، ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلّم في المعرفة والسُّلوك.

نعم، لا ينقطع بها عن رؤية المسبِّب، ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه، بل هي وسيلةٌ تُوصِل إلى الغاية، ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها. فهذا حقٌّ، لكن لا يجامع رفضَها والإعراضَ عنها، بل يقوم بها معتقدًا أنّها وسيلةٌ مُوصِلةٌ إلى الغاية. فهي كالطَّريق الحسِّيِّ الذي يقطعه المسافر إلى مقصده، فإن قيل له: ارفُضِ الطَّريقَ ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلِّيّة. وإن جعَلهَا غايتَه ولم يقصد بالسَّير فيها وصولَه إلى مقصدٍ معيَّنٍ كان معرضًا عن الغاية، مشتغلًا بالطّريق. وإن قيل له: التفِتْ إلى طريقك ومنازل سيرك، وراعِها، وسِرْ فيها ناظرًا إلى المقصود، عاملًا على الوصول إليه= فهذا هو الحقُّ.

وقولهم: «المتوكِّل وإن رفَضَ الأسبابَ واقفٌ مع توكُّله». فيقال: إن وقف مع توكُّله امتثالًا لأمر الله، وأداءً لحقِّ عبوديّته، معتقدًا أنَّ الله هو الذي منَّ عليه بالتّوكُّل، وأقامَه فيه، وجعله سببًا موصِلًا له١ إلى مطلوبه، فنعم الوقوفَ وقَفَ! وما أحسنه من وقوفٍ! وإن وقف معه اعتقادًا أنَّ٢ بنفس توكُّله وعمله يصل، مع قطع النّظر عن فضل ربِّه وإعانته ومنِّه عليه بالتّوكُّل؛

  1. (١) ت: «يوصله».
  2. (٢) ش: «أنه» وكأن بعضهم زاد الهاء.
494

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي