إبراهيم: التَّوحيد. ودينُ محمّدٍ: ما جاء به من عند الله قولًا وعملًا واعتقادًا. وكلمةُ الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلّا الله. وفطرةُ الإسلام هي ما فطَر الله عليه عبادَه من محبّته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلامِ له عبوديّةً وذلًّا١ وانقيادًا وإنابةً.
فهذا هو توحيدُ خاصَّة الخاصّة، الذي مَن رغب عنه فهو من أسفه السُّفهاء.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ١٣٠ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[البقرة: ١٣٠ - ١٣١]. فقسَّم التَّوحيدُ الخلائقَ قسمين: سفيهًا لا أسفه منه٢، ورشيدًا. فالسَّفيهُ: من رغب عنه إلى الإشراك. والرَّشيدُ: من تبرّأ من الشِّرك قولًا وعملًا وحالًا، فكان قولُه توحيدًا، وعملُه توحيدًا، وحالُه توحيدًا، ودعوتُه إلى التَّوحيد.
وبهذا أمر الله سبحانه جميعَ المرسلين من أوّلهم إلى آخرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٥١ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾[المؤمنون: ٥١ - ٥٢].
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ٢١ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ٢٣ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾[الأنبياء: ٢١ - ٢٤]، أي هذا الكتابُ الذي أُنزِل عليّ وهذه كتبُ الأنبياء كلِّهم، هل وجدتم في شيءٍ منها اتِّخاذَ آلهةٍ مع الله أم كلُّها ناطقةٌ بالتّوحيد آمرةٌ به؟
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل: ٣٦]. والطَّاغوتُ اسمٌ لكلِّ ما عبدوه من دون الله، فكلُّ مشركٍ إلهُه طاغوتُه.
وقد تكلّم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على ما ذكره صاحب «المنازل» في التّوحيد، فقال٢ بعد أن حكى كلامه إلى آخره: أمَّا التوحيد الأوّل الذي ذكره فهو التوحيد الذي جاءت به الرُّسل كلُّهم، ونزلت به الكتب كلُّها، وبه أمر الله الأوّلين والآخرين. وذكر الآيات الواردة٣ بذلك.
(١) كذا في ت، ش بالياء وفتح الحاء على قراءة أبي عمرو وغيره.
(٢) في «منهاج السنة» (٥/ ٣٤٦ وما بعدها) بعد قوله: «وقد بسطت الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع».