يدي سؤالك١ الاستخارة، ولا تكن٢ استخارةً باللِّسان بلا معرفةٍ، بل استخارةَ من لا علمَ له بمصالحه، ولا قدرةَ له عليها، ولا اهتداءَ له إلى تفاصيلها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا٣؛ بل إن وُكِل إلى نفسه هلَك كلَّ الهلاك، وانفرط عليه أمرُه.
وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤالٍ فسَلْه أن يجعله عونًا على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعًا لك عنه، ولا مبعدًا عن مرضاته. ولا تظنُّ أنّ عطاءه٤ كلَّ ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعَه كلَّ ما يمنعه لهوان عبده عليه. ولكن عطاؤه ومنعُه ابتلاءٌ وامتحانٌ يمتحن بهما عباده.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾[الفجر: ١٥ - ١٧]. أي ليس كلُّ من أعطيتُه ونعَّمتُه وخوَّلتُه فقد أكرمتُه. وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنّه ابتلاءٌ منِّي وامتحانٌ له: أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إيّاه، وأخوِّله٥ غيرَه! وليس كلُّ من ابتليته فضيّقتُ عليه رزقَه، وجعلتُه بقدرٍ لا يفضُل عنه، فذلك من هوانه عليّ؛ ولكنّه ابتلاءٌ وامتحانٌ منِّي له: أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرِّزق، أم يتسخَّط فيكون حظُّه السُّخط!
(١) "يدي" من ج، ع وكذا في هامش م. وفي ش: "وقدم من سؤالك".
(٢) ما عدا ج، ع: "يمكن"، وفي هامش ش: "ظ ولا يكفي". وفي هامش م كما أثبت.
(٣) ع: "ضرًّا ولا نفعًا".
(٤) ما عدا ع: "عطاء".
(٥) ع: "وأخوِّل فيه".
فردَّ الله سبحانه على من ظنَّ أنّ سعةَ الرِّزق إكرامٌ، وأنّ الفقر إهانةٌ، فقال: لم أبتلِ عبدي بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتلِه بالفقر لهوانه عليّ. فأخبر أنّ الإكرام والإهانة لا يدوران١ على المال وسعة الرِّزق وتقديره، فإنّه يوسِّع على الكافر لا لكرامته، ويقتِّر على المؤمن لا لإهانته له، إنّما يُكرم مَن يُكرمه بمعرفته ومحبّته وطاعته، ويهين مَن يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغنيُّ الحميد.
فعادت سعادة الدُّنيا والآخرة إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فصل
القسم الثّالث: من له نوع عبادةٍ بلا استعانةٍ، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: القدريّة القائلون بأنّه قد فعَل بالعبد جميعَ مقدوره من الألطاف، وأنّه لم يبق في مقدوره إعانةٌ له على الفعل. فإنّه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطّريق، وإرسال الرَّسول، وتمكينه من الفعل؛ فلم يبق بعد هذا إعانةٌ مقدورةٌ يسأله إيّاها. بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء؛ ولكن أولياؤه اختاروا لأنفسهم الإيمان، وأعداؤه اختاروا لنفوسهم٢ الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفَّقَ هؤلاء بتوفيقٍ زائدٍ أوجبَ لهم الإيمان، وخذَلَ هؤلاء بأمرٍ آخر أوجبَ لهم الكفر. فعُبَّادُ هؤلاء لهم نصيبٌ منقوصٌ من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدودٌ عليهم طريقُ الاستعانة والتّوحيد.
(١) ما عدا ع: "لا تدور" بالتاء في ش، ج وبإهمالها في الأخرى.
(٢) ش: "لأنفسهم". وكذا في ع هنا وفي الجملة السابقة: "لنفوسهم".