مدارج السالكين

وأمَرنا تعالى أنّ نتأسّى بإمام هذا التَّوحيد في نفيه وإثباته، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦].

وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ٧٢ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ٧٣ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ٧٤ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ٧٧ الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ ٨٠ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ٨١ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٨٢].

وإذا تدبَّرتَ القرآن من أوّله إلى آخره رأيتَه يدور على هذا التَّوحيد وتقريره وحقوقه.

قال شيخنا١: والخليلان هما أكمَلُ خاصَّة الخاصَّة توحيدًا. ولا يجوز أن يكون في الأمّة من هو أكمل توحيدًا من نبيٍّ من الأنبياء، فضلًا عن الرُّسل، فضلًا عن أولي العزم، فضلًا عن الخليلين. وكمالُ هذا التّوحيد هو أن لا

  1. (١) في «منهاج السنة» (٥/ ٣٥٥).
503

يبقى في القلب شيءٌ لغير الله أصلًا، بل يبقى العبد مواليًا لربِّه في كلِّ شيءٍ، يحبُّ ما أحبَّ، ويُبغض ما أبغضَ، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عمّا نهى عنه.

فصل

قوله: (وهذا توحيد العامّة، الذي يصحُّ بالشّواهد).

قد تبيَّن أنَّ هذا توحيدُ خاصَّة الخاصَّة، الذي لا شيء فوقه ولا أخصَّ منه، وأنَّ الخليلين أكملُ النّاس فيه، فَلْيَهْنِ العامَّةَ نصيبُهم منه!

قوله: (يصحُّ بالشّواهد)، أي بالأدلّة والآيات والبراهين. وهذا ممّا يدلُّ على كماله وشرفه أن قامت عليه الأدلَّةُ، ونادت عليه الشَّواهدُ، وأوضحته الآياتُ والبراهينُ. وما عداه فدعاوٍ مجرَّدةٌ لا يقوم عليها دليلٌ، ولا تصحُّ بشاهدٍ. فكلُّ توحيدٍ لا يصحُّ بشاهدٍ فليس بتوحيدٍ. فلا يجوز أن يكون توحيدٌ أكملَ من التَّوحيد الذي يصحُّ بالشّواهد والآيات، وتوحيدُ القرآن من أوّله إلى آخره كذلك.

وقوله: (هذا هو التّوحيدُ الظَّاهرُ الجليُّ الذي نفى الشِّركَ الأعظمَ).

فنعم لَعَمْرُ الله. ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسلَه، وأنزل به كتبَه، وأمر به الأوّلين والآخرين من عباده. وأمَّا الرَّمزُ والإشارةُ والتَّعقيدُ الذي لا يكاد أن يفهمه أحدٌ من النّاس إلّا بجهدٍ وكلفةٍ، فليس ممّا جاءت به الرُّسل، ولا دعَوا إليه. فظهوُر هذا التّوحيد وانجلاؤه ووضوحه، وشهادةُ الفِطَر والعقول به: من أعظم الأدلّة أنّه أعلى مراتب التّوحيد وذروةُ سنامه. ولذلك قوِيَ على نفي الشِّرك الأعظم، فإنَّ الشَّيءَ كلَّما عظُم لا يدفعه إلّا العظيمُ، فلو كان

504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي