مدارج السالكين

والإراداتِ المعارضةِ لأمره، بل ينقاد للخبرِ تصديقًا واستيقانًا، وللطَّلبِ إذعانًا وامتثالًا.

قوله: (بصدق شهادةٍ صحَّحها قبولُ القلب)، أي سلِموا من الشُّبهة والحيَرة والرِّيبة، بصدق شهادةٍ تواطأ عليها القلبُ واللِّسانُ، فصحَّت شهادتُهم بقبولِ قلوبهم لها، واعتقادِهم صحّتَها، والجَزمِ بها، بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبُه، ولم يواطئ عليها لسانُه.

قوله: (وهذا توحيد العامّة الذي يصحُّ بالشّواهد). قد عرفتَ أنَّ هذا هو التَّوحيدُ الذي دعت إليه الرُّسلُ، ونزلت به الكتبُ، واتّفقت عليه الشّرائعُ. ثمَّ بيَّن مراده بالشّواهد أنّها الرِّسالة والصَّنائع. والشَّواهد هي١ الأدلّة الدَّالَّة على التَّوحيد، والرِّسالةُ أرشدت إليها وعرَّفت بها. ومقصوده: أنّ الشّواهد نوعان: آياتٌ متلوّةٌ وهي الرِّسالة، وآياتٌ مرئيّةٌ وهي الصَّنائع.

قوله: (يجب بالسَّمع، ويوجد بتبصير الحقِّ، وينمو على مشاهدة الشَّواهد). هذه ثلاث مسائل، إحداها: ما يجب به، والثّانية: ما يوجد به، والثّالثة: ما ينمو به.

فأمّا المسألة الأولى، فاختلف فيها النّاس. فقالت طائفةٌ: يجب بالعقل، ويعاقَب على تركه، والسَّمعُ مقرِّرٌ لما وجب بالعقل مؤكِّدٌ له. فجعلوا وجوبَه والعقابَ على تركه ثابتين بالعقل، والسَّمعُ مبيِّنٌ ومقرِّرٌ للوجوب وللعقاب. وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمّة في مسألة التّحسين والتّقبيح العقليَّين.

  1. (١) لم يرد لفظ «هي» في ش، د.
507

وقالت طائفةٌ: لا يثبت بالعقل، لا هذا ولا هذا، فلا يجب بالعقل شيءٌ، وإنّما الوجوبُ بالشَّرع، ولذلك لا يستحقُّ العقاب على تركه. وهذا قول الأشعريّة ومَن وافقهم على نفي التّحسين والتّقبيح.

والقولان لأصحاب أحمد والشّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

والحقُّ: أنَّ وجوبه ثابتٌ بالعقل والسَّمع. والقرآن على هذا يدلُّ، فإنَّه يذكر الأدلَّة والبراهين العقليَّة على التَّوحيد، ويبيِّن حسنَه وقبحَ الشِّرك عقلًا وفطرةً، ويأمر بالتَّوحيد وينهى عن الشِّرك. ولهذا ضرب سبحانه الأمثال، وبيَّنَ الأدلَّةَ العقليَّةَ، وخاطَب العبادَ بذلك خطابَ من قد استقرَّ في عقولهم وفِطَرهم حسنُ التَّوحيد ووجوبُه، وقبحُ الشِّرك وذمُّه.

والقرآن مملوءٌ بالبراهين العقليّة الدّالّة على ذلك، كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا١ لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٧٥ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهْوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ

  1. (١) على قراءة أبي عمرو وابن كثير من السبعة.
508

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي