وقالت طائفةٌ: لا يثبت بالعقل، لا هذا ولا هذا، فلا يجب بالعقل شيءٌ، وإنّما الوجوبُ بالشَّرع، ولذلك لا يستحقُّ العقاب على تركه. وهذا قول الأشعريّة ومَن وافقهم على نفي التّحسين والتّقبيح.
والقولان لأصحاب أحمد والشّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
والحقُّ: أنَّ وجوبه ثابتٌ بالعقل والسَّمع. والقرآن على هذا يدلُّ، فإنَّه يذكر الأدلَّة والبراهين العقليَّة على التَّوحيد، ويبيِّن حسنَه وقبحَ الشِّرك عقلًا وفطرةً، ويأمر بالتَّوحيد وينهى عن الشِّرك. ولهذا ضرب سبحانه الأمثال، وبيَّنَ الأدلَّةَ العقليَّةَ، وخاطَب العبادَ بذلك خطابَ من قد استقرَّ في عقولهم وفِطَرهم حسنُ التَّوحيد ووجوبُه، وقبحُ الشِّرك وذمُّه.
عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣] إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من براهين التَّوحيد العقليّة التي أرشد إليها القرآن ونبَّه عليها.
ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنّ العقاب على ترك هذا الواجب١ يتأخَّر إلى حين ورود الشَّرع، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥]، وقولُه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ٨ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾[الملك: ٨ - ٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾[القصص: ٥٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[هود: ١١٧]٢.
فهذا يدلُّ على أنّهم ظالمون قبل إرسال الرُّسل، وأنّه لا يهلكهم بهذا الظُّلم قبل إقامة الحجّة. فالآيةُ ردٌّ على الطّائفتين معًا: من يقول: إنّه لا يثبت الظُّلم والقبح إلّا بالسَّمع، ومن يقول: إنّهم معذَّبون على ظلمهم بدون السَّمع. فالقرآن يبطل قول هؤلاء وهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[القصص: ٤٧]، فأخبر: أنَّ ما قدَّمت أيديهم قبل إرسال الرَّسول
(١) ش، د: «الوجوب».
(٢) وقع في النسخ: «وأهلها غافلون»، ولعله سهو، وقد غيَّر بعضهم في متن ش ليوافق قوله تعالى في سورة الأنعام (١٣١): ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾، وأثبت بعده في الهامش الآية ١١٧ من سورة هود. ومثله في د.