عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣] إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من براهين التَّوحيد العقليّة التي أرشد إليها القرآن ونبَّه عليها.
ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنّ العقاب على ترك هذا الواجب١ يتأخَّر إلى حين ورود الشَّرع، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥]، وقولُه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ٨ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾[الملك: ٨ - ٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾[القصص: ٥٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[هود: ١١٧]٢.
فهذا يدلُّ على أنّهم ظالمون قبل إرسال الرُّسل، وأنّه لا يهلكهم بهذا الظُّلم قبل إقامة الحجّة. فالآيةُ ردٌّ على الطّائفتين معًا: من يقول: إنّه لا يثبت الظُّلم والقبح إلّا بالسَّمع، ومن يقول: إنّهم معذَّبون على ظلمهم بدون السَّمع. فالقرآن يبطل قول هؤلاء وهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[القصص: ٤٧]، فأخبر: أنَّ ما قدَّمت أيديهم قبل إرسال الرَّسول
(١) ش، د: «الوجوب».
(٢) وقع في النسخ: «وأهلها غافلون»، ولعله سهو، وقد غيَّر بعضهم في متن ش ليوافق قوله تعالى في سورة الأنعام (١٣١): ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾، وأثبت بعده في الهامش الآية ١١٧ من سورة هود. ومثله في د.
سببٌ لإصابتهم بالمصيبة١،
ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرَّسول الذي يقيم به حجَّتَه عليهم، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾[الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ٥٦ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٥٧ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٨ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾[الزمر: ٥٦ - ٥٩]٢ وهذا كثيرٌ في القرآن، يخبر أنَّ الحجّةَ قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما ينبِّههم بما في عقولهم وفِطَرهم من حسن التَّوحيد والشُّكر، وقبح الشِّرك والكفر.
وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاةً في كتاب «المفتاح»٣ وذكرنا هنالك٤ نحوًا من ستِّين وجهًا تُبطل قولَ من نفى القبحَ العقليَّ وزعَم أنّه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها وقبحها، وأنّه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه، وينهى عن عين ما أمر به، وأنّ ذلك جائزٌ عليه، وإنّما فرَّق بين المأمور والمنهيِّ بمجرَّد الأمر والنّهي، لا بحسن هذا وقبح هذا، وأنّه لو نهى عن
(١) «بالمصيبة» ساقط من ش، د ..
(٢) في ش، د في موضع الآية ٥٨: «إلى قوله».
(٣) (٢/ ١٠١٧ - ١١٧٢) وقد أحال عليه من قبل (١/ ١٤٠) في هذه المسألة.