تُغنِ عنهم شيئًا. وهذا إنّما يكون في حقِّ من خرج عن موجَب العقل الصَّريح والفطرة الصَّحيحة.
ولو لم يكن في صريح العقل ما يدلُّ على ذلك لم يكن في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا﴾ و﴿اعتبروا﴾ و﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ فائدةٌ، فإنّهم يقولون: عقولُنا لا تدلُّ على ذلك، وإنّما هو مجرَّدُ إخبارك، فما هذا النّظرُ والتّفكُّرُ والاعتبارُ والسَّيرُ في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقليّة والشّواهد العيانيّة؟ أفليس في بعض ذلك أظهرُ دليلٍ على أنَّ حسنَ التّوحيد والشُّكر وقبحَ الشِّرك والكفر مستقرٌّ في العقول والفطر، معلومٌ لمن له قلبٌ حيٌّ وعقلٌ سليمٌ وفطرةٌ صحيحةٌ؟
ومن بعض أدلَّته العقليّة: ما أبقاه الله سبحانه من آثار عقوبات أهل
الشِّرك وآثار ديارهم، وما حلَّ بهم، وما أبقاه من نصر أهل التَّوحيد وإعزازهم، وجعلِ العاقبة لهم. قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾[العنكبوت: ٣٨]. وقال في ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٥٢ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[النمل: ٥٢ - ٥٣]. وقال في قوم لوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ٣٤ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[العنكبوت: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ٧٦ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ٧٧ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ٧٨ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾[الحجر: ٧٥ - ٧٩]. وقال تعالى في قرى لوطٍ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
وهو سبحانه في سورة الشُّعراء يذكر ما أوقَعَ بالمشركين من أنواع العقوبات، ويذكر نجاتَه١ لأهل التّوحيد، ثمّ يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾٢، فيذكر شركَ هؤلاء الذين استحقُّوا به الهلاك، وتوحيدَ هؤلاء الذين استحقُّوا به النَّجاة، ثمّ يخبر أنَّ في ذلك آية وبرهان٣، ثمّ يذكر مصدر ذلك كلِّه، وأنّه عن أسمائه وصفاته،
(١) كذا في جميع النسخ ومثله في أصول «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥). استعمل «النجاة» بمعنى التنجية كالزكاة والذَّكاة بمعنى التزكية والتذكية.
(٢) في الآيات [٨ - ٩، ٦٧ - ٦٨، ١٠٣ - ١٠٤، ١٢١ - ١٢٢، ١٣٩ - ١٤٠، ١٧٤ - ١٧٥، ١٩٠ - ١٩١] من سورة الشعراء.
(٣) في المطبوع: «في ذلك آية وبرهانًا» خلافًا للأصل.