مدارج السالكين

الشِّرك وآثار ديارهم، وما حلَّ بهم، وما أبقاه من نصر أهل التَّوحيد وإعزازهم، وجعلِ العاقبة لهم. قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقال في ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٥٢ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٢ - ٥٣]. وقال في قوم لوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ٣٤ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ٧٦ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ٧٧ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ٧٨ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٩]. وقال تعالى في قرى لوطٍ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].

وهو سبحانه في سورة الشُّعراء يذكر ما أوقَعَ بالمشركين من أنواع العقوبات، ويذكر نجاتَه١ لأهل التّوحيد، ثمّ يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾٢، فيذكر شركَ هؤلاء الذين استحقُّوا به الهلاك، وتوحيدَ هؤلاء الذين استحقُّوا به النَّجاة، ثمّ يخبر أنَّ في ذلك آية وبرهان٣، ثمّ يذكر مصدر ذلك كلِّه، وأنّه عن أسمائه وصفاته،

  1. (١) كذا في جميع النسخ ومثله في أصول «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥). استعمل «النجاة» بمعنى التنجية كالزكاة والذَّكاة بمعنى التزكية والتذكية.
  2. (٢) في الآيات [٨ - ٩، ٦٧ - ٦٨، ١٠٣ - ١٠٤، ١٢١ - ١٢٢، ١٣٩ - ١٤٠، ١٧٤ - ١٧٥، ١٩٠ - ١٩١] من سورة الشعراء.
  3. (٣) في المطبوع: «في ذلك آية وبرهانًا» خلافًا للأصل.
513

فصدَرَ١ هذا الإهلاكُ عن عزّته، وذلك الإنجاءُ عن رحمته. ثمّ قرَّرَ في آخر السُّورة نبوّةَ رسوله بالأدلّة العقليّة أحسنَ تقريرٍ، وأجاب عن شبه المكذِّبين له أحسنَ جوابٍ. وكذلك تقريرُه للمعاد بالأدلَّة العقليّة والحسِّيّة، وضربُ الأمثال والأقيسة. فدلالة القرآن سمعيّةٌ عقليّةٌ.

فصل

المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ).

وجوبُ الشَّيء شرعًا لا يستلزم وجودَه حسًّا. فلذلك ذكَر ما يوجد به بعد ذكرِ ما يجب به، وهو تبصيرُ الحقِّ تعالى. ومراده: التَّبصيرُ التّامُّ الذي لا تتخلَّف عنه الهداية، وإلّا فقد يبصرُ الحقَّ العبدُ٢ ولا يوجد منه الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فهو سبحانه بصَّرهم، فآثروا الضّلالَ على الهدى. وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فهذا التَّبصيرُ لم يوجب وجودَ الهداية لأنّه سبحانه لم يُرِد وجودَها، وإن أراد وجود مجرَّد البصيرة. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

وأمّا التّبصير التّامُّ، فإنّه يستلزم وجودَ الهداية، وهو الذي أُمِرنا أن نسأله

  1. (١) ش، د: «مصدر»، تصحيف.
  2. (٢) هكذا في النسخ من غير علامة التقديم والتأخير.
514

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي