قال١: (وأمّا التّوحيد الثّاني الذي يثبت بالحقائق، فهو توحيد الخاصَّة. وهو إسقاطُ الأسباب الظّاهرة، والصُّعودُ عن منازعات العقول وعن التّعلُّق بالشّواهد. وهو أن لا يشهد في التَّوحيد دليلًا، ولا في التّوكُّل سببًا، ولا للنَّجاة٢ وسيلةً، فيكون مشاهدًا سبقَ الحقِّ بحكمه وعلمه، ووضعِه الأشياء مواضعها، وتعليقِه إيّاها بأحايينها، وإخفائه إيّاها في رسومها؛ ويحقِّقُ٣ معرفةَ العلل، ويسلك سبيلَ إسقاط الحدث. هذا توحيد الخاصَّة، الذي يصحُّ بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع).
قوله: (يثبت بالحقائق)، وقال في التّوحيد الأوّل: (يصحُّ بالشَّواهد)، فإنَّ الثُّبوتَ أبلغُ من الصِّحّة، والحقائقَ أبلغُ من الشّواهد. ويريد بالحقائق: المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والاتِّصال، والانفصال، والحياة، والقبض، والبسط، وما ذكره في قسم الحقائق من كتابه.
(٢) ومثله في مطبوعة «المنازل». وفي «شرح التلمساني» (٢/ ٦٠٥، ٦٠٦) في المتن والشرح كليهما: «في النجاة». وفي «شرح عبد المعطي اللخمي» (ص ٢٢٨) و«شرح الفركاوي» (ص ١٤٧): «للنجاة» في المتن و«في النجاة» في الشرح كما وقع هنا.
(٣) ما عدا ت: «وتحقق»، ويصح إن كان الفعل السابق: «فتكون» والفعل الآتي: «وتسلك» كما في مطبوعة «المنازل». وفي «شرح الفركاوي» (ص ١٤٧) و«يتحقَّق ... فيسلك».
قوله: (وهو إسقاط الأسباب الظّاهرة)، يحتمل أن يريد بها: الأسبابَ المشاهَدةَ التي تظهر لنا، وإسقاطُها هو أن لا يرى لها تأثيرًا البتّة ولا يتعلَّق بها وإن باشرها بحكم الارتباط العاديِّ، فمباشرتُها لا تنافي إسقاطها.
ويحتمل أن يريد بالأسباب الظّاهرة: الحركاتِ والأعمالَ، وإسقاطُها: عزلُها عن اقتضائها السّعادةَ والنَّجاةَ، لا إهمالُها وتعطيلُها فإنَّ ذلك كفرٌ وانسلاخٌ من الإسلام١ بالكلِّيّة. ولكن يقومُ بها وقد عزَلَها عن ولاية النَّجاة والنَّجاح، كما قال ﷺ: «اعملوا، واعلموا أنَّ أحدًا منكم لن يُنْجِيَه عملُه»٢.
واحترَزَ بالأسباب الظّاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان، والتَّصديق، ومحبّة الله ورسوله؛ فإنَّ النَّجاةَ والسَّعادةَ معلَّقةٌ بها، بل التَّوحيدُ نفسُه من الأسباب، بل أعظمُ الأسباب الباطنة، فلا يجوز إسقاطه.
وعلى التّقديرين، فهو غير مخلِّصٍ. فإن أُريدَ بالإسقاط التّعطيلُ والإهمالُ، فمن أبطلِ الباطل. وإن أريد العزلُ عن ولاية الاقتضاء٣، وإسنادُ الحكم إلى مشيئة الرَّبِّ وحده؛ فلا فرقَ بين الأسباب الظّاهرة والباطنة. وإن أريد الأسبابُ التي لم يؤمر بها العبد، فليس إسقاطُها من التوحيد في شيءٍ، ولا القيامُ بها مبطلًا له ولا منقصًا!
وبالجملة: فليس إسقاطُ الأسباب من التّوحيد، بل القيامُ بها واعتبارُها وإنزالُها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محضُ التَّوحيد والعبوديّة.
(١) ت: «من الدين».
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.