مدارج السالكين

قوله: (وهو إسقاط الأسباب الظّاهرة)، يحتمل أن يريد بها: الأسبابَ المشاهَدةَ التي تظهر لنا، وإسقاطُها هو أن لا يرى لها تأثيرًا البتّة ولا يتعلَّق بها وإن باشرها بحكم الارتباط العاديِّ، فمباشرتُها لا تنافي إسقاطها.

ويحتمل أن يريد بالأسباب الظّاهرة: الحركاتِ والأعمالَ، وإسقاطُها: عزلُها عن اقتضائها السّعادةَ والنَّجاةَ، لا إهمالُها وتعطيلُها فإنَّ ذلك كفرٌ وانسلاخٌ من الإسلام١ بالكلِّيّة. ولكن يقومُ بها وقد عزَلَها عن ولاية النَّجاة والنَّجاح، كما قال ﷺ: «اعملوا، واعلموا أنَّ أحدًا منكم لن يُنْجِيَه عملُه»٢.

واحترَزَ بالأسباب الظّاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان، والتَّصديق، ومحبّة الله ورسوله؛ فإنَّ النَّجاةَ والسَّعادةَ معلَّقةٌ بها، بل التَّوحيدُ نفسُه من الأسباب، بل أعظمُ الأسباب الباطنة، فلا يجوز إسقاطه.

وعلى التّقديرين، فهو غير مخلِّصٍ. فإن أُريدَ بالإسقاط التّعطيلُ والإهمالُ، فمن أبطلِ الباطل. وإن أريد العزلُ عن ولاية الاقتضاء٣، وإسنادُ الحكم إلى مشيئة الرَّبِّ وحده؛ فلا فرقَ بين الأسباب الظّاهرة والباطنة. وإن أريد الأسبابُ التي لم يؤمر بها العبد، فليس إسقاطُها من التوحيد في شيءٍ، ولا القيامُ بها مبطلًا له ولا منقصًا!

وبالجملة: فليس إسقاطُ الأسباب من التّوحيد، بل القيامُ بها واعتبارُها وإنزالُها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محضُ التَّوحيد والعبوديّة.

  1. (١) ت: «من الدين».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ت: «دلالة الاقتضاء».
517

والقولُ بإسقاط الأسباب هو توحيدُ القدريّة الجبريّة أتباعِ جهم بن صفوان في الجبر، فإنّه كان غاليًا في الجبر. وعندهم أنّ الله لم يخلق شيئًا بسببٍ١، ولا جعل في الأسباب قوًى وطبائع تؤثِّر، فليس في النّار قوّةُ الإحراق، ولا في السُّمِّ قوّةُ الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوّةُ الرِّيِّ والتَّغذية، ولا في العين قوّةُ الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوّةُ السَّمع والشَّمِّ؛ بل الله سبحانه يُحدِث هذه الآثارَ عند ملاقاة هذه الأجسام، لا بها. فليس الشِّبعُ بالأكل، ولا الرِّيُّ بالشُّرب، ولا العلمُ بالاستدلال، ولا الانكسارُ بالكسر، ولا الإزهاقُ بالذَّبح، ولا الطّاعاتُ والتَّوحيدُ سببًا لدخول الجنّة والنّجاة من النّار، ولا الشِّركُ والكفرُ والمعاصي سببًا لدخول النّار؛ بل يدخل هؤلاء الجنّةَ بمحض مشيئته من غير سببٍ ولا حكمةٍ أصلًا، وهؤلاء النّارَ بمحض مشيئته من غير سببٍ ولا حكمةٍ أصلًا!

ولهذا قال صاحب «المنازل»: (وهو أن لا يشهد في التَّوحيد دليلًا، ولا في التّوكُّل سببًا، ولا في النّجاة وسيلةً). بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنّواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجَّحَتْ مثلًا على مثلٍ بغير مرجِّحٍ. فعنها يصدر كلُّ حادثٍ، ويصدر مع الحادث حادثٌ آخر مقترنًا به اقترانًا عاديًّا، لا أنّ أحدهما سببٌ للآخر، ولا مرتبطٌ به. فأحدُهما مجرَّدُ علامةٍ وأمارةٍ على وجود الآخر، فإذا وُجد أحدُ المقترنين وُجِد الآخر معه، بطريق الاقتران العاديِّ فقط، لا بطريق التسبيب والاقتضاء. وهذا عندهم هو نهايةُ التّوحيد وغايةُ المعرفة.

  1. (١) ت: «لسبب».
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي