وطردُ هذا المذهب مفسِدٌ للدُّنيا وللدِّين١، بل لسائر أديان الرُّسل. ولهذا لمّا طرده قومٌ أسقطوا الأسبابَ الدُّنيويّةَ وعطّلوها، وجعلوا وجودها كعدمها. ولم يمكنهم ذلك، فإنّهم لابدّ أن يأكلوا ويشربوا، ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحرَّ والبرد والألم!
فإذا قيل لهم: هلّا أسقطتم ذلك؟ قالوا: لأجل الاقتران العاديِّ. فقيل لهم: فهلّا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العاديِّ أيضًا! فهذا المذهبُ قد فطَر الله سبحانه الحيوانَ ــ ناطقَه وأعجمَه ــ على خلافه.
وقومٌ طردوه، فتركوا له الأسباب الأخرويّة، وقالوا: سبَق العلمُ والحكمُ بالسّعادة والشّقاوة لا يتغيَّر البتّة، فسواءٌ علينا الفعلُ والتَّركُ. فإن سبق العلمُ والحكمُ بالشَّقاوة فنحن أشقياء، عمِلنا أو لم نعمَل. وإن سبقا بالسّعادة فنحن سُعَداء، عملنا أو لم نعمل. ومنهم من يترك الدُّعاءَ جملةً، بناءً على هذا الأصل، ويقول: المدعوُّ به إن سبَق العلمُ والحكمُ بحصوله حصَلَ، دعونا أو لم ندعُ. وإن سبقا٢ بعدم حصوله لم يحصُل وإن دعونا.
قال شيخنا٣: وهذا الأصل الفاسد مخالفٌ للكتاب والسُّنّة وإجماع السَّلف وأئمّة الدِّين، ومخالفٌ لصريح المعقول وللحسِّ والمشاهدة.
وقد سئل النبيُّ ﷺ عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القدر؟ فردّ ذلك، وألزمَ القيامَ بالأسباب، كما في «الصحيح»٤ عنه ﷺ أنّه قال: «ما منكم من
(١) ت: «والدين».
(٢) ت: «سبق».
(٣) في «منهاج السنة» (٥/ ٣٦٢ - ٣٦٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٤٥) ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي ﵁.
أحدٍ إلّا وقد عُلِمَ مقعدُه من الجنّة، ومقعدُه من النّار» قالوا: يا رسول الله، أفلا ندَعُ العملُ ونتّكلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له».
وفي «الصحيح»١ أيضًا أنّه قيل له: يا رسول الله، أرأيتَ ما يكدَح النّاسُ فيه اليوم ويعملون: أمرٌ قُضِيَ عليهم ومضى أم فيما يستقبلون ممّا آتاهم فيه الحجّة؟ فقال: «بل شيءٌ قُضي عليهم ومضى فيهم». قالوا: يا رسولَ الله، أفلا ندَعُ العملَ ونتّكل على كتابنا؟ فقال: «لا، اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له».
وفي «السُّنن»٢ عنه ﷺ أنّه قيل له: أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورقًى نسترقي بها، وتقاةً نتّقي بها= هل تردُّ مِن قدر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر الله».
وكذلك قولُ عمر لأبي عبيدة، وقد قال له أبو عبيدة: أتفرُّ من قدر الله؟ ــ يعني من الطاعون ــ فقال: أفرُّ من قدر الله إلى قدر الله٣.
وقد قال تعالى في السَّحاب: ﴿بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ﴾[الأعراف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[البقرة: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾[المائدة: ١٦]. وقال تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الأعراف: ٤٣]، ﴿بِمَا
(١) أخرجه البخاري (٦٥٩٦) ومسلم (٢٦٥٠) من حديث عمران بن الحصين ﵁.
(٢) للترمذي (٢٠٦٥، ٢١٤٨) وابن ماجه (٣٤٣٧)، وقد تقدم تخريجه مفصَّلًا في المجلد الأول (ص ٣١٢).
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٢٩) ومسلم (٢٢١٩) عن ابن عباس ﵄.