مدارج السالكين

كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠].

والقرآن مملوءٌ من ترتيب الأحكام الكونيّة والشّرعيّة والثّواب والعقاب على الأسباب بطرقٍ متنوِّعةٍ: فيأتي بباء السّببيّة تارةً، وباللَّام تارةً، وبـ «أن» تارةً، وبـ «كيْ» تارةً، ويذكر الوصف المقتضيَ تارةً. ويذكر صريحَ التّعليل تارةً كقوله: ذلك بأنّهم فعلوا كذا وقالوا كذا. ويذكر الجزاء تارةً كقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ﴾ [المائدة: ٢٩]، ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾١ [سبأ: ١٧]. ويذكر المقتضيَ للحكم والمانعَ منه كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. وعند منكري الأسباب والحكم لم يمنعه إلّا محضُ مشيئته ليس إلّا.

وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]. وقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]. وقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ١٦٠ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠].

  1. (١) كذا في النسخ على قراءة أبي عمرو وغيره.
521

وبالجملة: فالقرآن ــ من أوّله إلى آخره ــ يُبطل هذا المذهب ويردُّه، كما تبطله العقولُ والفِطَرُ والحسُّ.

وقد قال بعض أهل العلم١: الالتفاتُ إلى الأسباب شركٌ في التّوحيد، ومحوُ الأسباب أن تكون أسبابًا تغبيرٌ٢ في وجه العقل، والإعراضُ عن الأسباب بالكلِّيّة قدحٌ في الشّرع. والتّوكُّلُ معنًى يلتئم من معنى التّوحيد والعقل والشّرع٣.

وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ وتقييدٍ. فالالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ. فالشِّرك: أن يعتمدَ عليها ويطمئنَّ إليها، ويعتقدَ أنّها محصِّلةٌ للمقصود بذاتها؛ فهو معرِضٌ٤ عن المسبِّب لها،

  1. (١) عزاه شيخ الإسلام في «بغية المرتاد» (ص ٢٦٢) و«منهاج السنة» (٥/ ٣٦٦) إلى الغزالي وابن الجوزي. ولفظ الغزالي في «الإحياء» (٤/ ٢٤٣): «ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شركٌ في التوحيد، والتناقلُ عنها بالكلية طعنٌ في السنَّة وقدحٌ في الشرع، والاعتمادُ على الأسباب من غير أن ترى أسبابًا تغبيرٌ في وجه العقل وانغماسٌ في غمرة الجهل». وقد نقل شيخ الإسلام هذا النص في مواضع كثيرة من كتبه. انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ١٣١)، (٨/ ٧٠، ١٦٩، ١٧٥، ٥٢٨)، (١٠/ ٣٥، ٢٥٧).
  2. (٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: «تغيير» بيائين، وكذا في «بغية المرتاد» و«منهاج السنة» و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٣٩) و«الإحياء» ط دار المعرفة. وهو تصحيفٌ صوابه ما أثبته، وهكذا في إحدى نسخ «منهاج السنَّة» و«مجموعة الرسائل والمسائل» لشيخ الإسلام: نشرة رشيد رضا (٥/ ١٥٨) و«إتحاف السادة المتقين» (٩/ ٣٨٥) ومتن «الإحياء» على هامشه.
  3. (٣) هنا انتهى النقل عن شيخ الإسلام.
  4. (٤) ت: «تعرض»، تصحيف «يعرض».
522

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي