التّوكُّلُ إلّا عليه، ولا الالتجاءُ إلّا إليه، ولا الخوفُ إلّا منه، ولا الرَّجاءُ إلّا له، ولا الطَّمعُ إلّا في رحمته؛ كما قال أعرَفُ الخلق به: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»١. وقال: «لا ملجا ولا منجى منك إلّا إليك»٢.
فإذا جمعتَ بين هذا التّوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبُك على السَّير إلى الله، ووضَح لك الطَّريقُ الأعظمُ الذي مضى٣ عليه جميعُ رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصِّراطُ المستقيمُ، صراطُ الذين أنعم الله عليهم. وبالله التّوفيق.
وما سبق به حكمُه وعلمُه حقٌّ، وهو لا ينافي إثبات الأسباب، ولا يقتضي إسقاطَها، فإنّه سبحانه قد علِمَ وحَكَم أنَّ كذا وكذا يحدُث بسبب كذا وكذا، فسبق العلمُ والحكمُ بحصوله عن سببه، فإسقاطُ السَّبب خلافُ موجَبِ علمه وحكمه. فمن نظَر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظرُه وشهودُه مطابقًا للحقِّ، بل كان شهوده غَيبةً، ونظرُه عمًى. فإذا كان علمُه وحكمُه قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها، فكيف يشهد العبدُ الأمورَ بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره؟
والعلل التي تُنفَى وتُتَّقى في الأسباب نوعان. أحدهما: الاعتماد عليها، والتّوكُّل عليها، والثِّقة بها، ورجاؤها وخوفها. فهذا شركٌ يرِقُّ ويغلُظ وبينَ
(١) أخرجه مسلم (٤٨٦)، وقد تقدَّم تخريجه في المجلد الأول (ص ٣٩٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧) ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) ت: «نص».
ذلك. الثّاني: تركُ ما أمرَ به من الأسباب، وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا وبين ذلك.
بل على العبد أن يفعل ما أمرَه به من الأسباب، ويتوكَّل عليه توكُّلَ مَن يعتقد أنّ الأمر كلَّه بمشيئة الله، سَبق به علمُه وحكمُه، وأنَّ السَّببَ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصِّل للعبد ما لم تسبق به المشيئةُ الإلهيّةُ، ولا يَصرِفُ عنه ما سبق به الحكمُ والعلمُ. فيأتي بالأسباب إتيانَ من لا يرى النّجاة والفلاح والوصول إلّا بها، ويتوكَّلُ على الله توكُّلَ من يرى أنّها لا تُنجيه، ولا تحصِّل له فلاحًا، ولا تُوصله إلى المقصود. فيجرِّد عزمَه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويُفرغ قلبه من الاعتماد عليها والرُّكون إليها تجريدًا للتّوكُّل، واعتمادًا على الله وحده.
وقد جمع النّبيُّ ﷺ بين هذين الأصلين في الحديث الصّحيح، حيث يقول: «احرِصْ على ما ينفعك، واستعِنْ بالله، ولا تعجِزْ»١. فأمرَه بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبِّب. ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصيره في الأسباب وعدمُ الحرص عليها، وتقصيره في الاستعانة بالله وتركُ تجريدها. فالدِّينُ كلُّه ــ ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه ــ تحت هذه الكلمات النّبويّة.
فصل
قوله: (والصُّعود عن منازعات العقول). هذا حقٌّ، ولا يتمُّ التَّوحيدُ ولا