مدارج السالكين

الإيمان إلّا به، فما أفسد أديانَ الرُّسل إلّا أربابُ منازعات العقول التي١ ينازعهم معقولُهم في التَّصديق بما جاءت به الرسل، وإثباتِ ما أثبتوه، ونفيِ ما نفوه، فنازعت عقولهم ذلك، فتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرُّسَل، ثمّ عارضوهم بتلك المعقولات، وقدَّموها على ما جاؤوا به، وقالوا: إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به الرُّسلُ قدَّمنا ما حكمت به عقولُنا على ما جاؤوا به. وقد هلك بهؤلاء طوائفُ لا يحصيهم إلّا الله، وانسلخوا بسببهم من أديان جميع الرُّسل.

قوله: (ومن التّعلُّق بالشَّواهد) كلامٌ فيه إجمالٌ. فالشَّواهد هي الأدلّة والآيات، فتركُ التّعلُّق بها انسلاخٌ عن العلم والإيمان بالكلِّيّة. والتّعلُّقُ بها وحدها دونَ من نصَبها شواهدَ وأدلّةً انقطاعٌ عن الله وشركٌ في التّوحيد. والتّعلُّقُ بها استدلالًا ونظرًا في آيات الرَّبِّ ليصل بها إلى الله هو التّوحيد والإيمان.

وأحسَنُ ما يُحمَل عليه كلامه: أنّه يصعد عن الوقوف معها، فإنّها وسائل إلى المقصود، فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود. وهذا حقٌّ، لكنَّ قوله: (وهو أن لا يشهد في التّوحيد دليلًا) يكدِّر هذا المعنى ويشوِّشه، وليس بصحيحٍ. بل الواجبُ: أن يشهد الأمر كما يُشهده الله، فإنَّ الله سبحانه نصبَ الأدلّةَ على التّوحيد وأقام البراهينَ وأظهر الآياتِ، وأمرَنا أن نشهد الأدلّة والآيات وننظر فيها ونستدلَّ بها. ولا يجتمع هذا الإثباتُ وذاك النّفيُ البتّة. والمخلوقاتُ كلُّها آياتٌ للتّوحيد، وكذلك الآياتُ المتلوَّةُ أدلّةٌ على التَّوحيد، فكيف لا أشهدُها دليلًا عليه؟ هذا من أبطل الباطل. بل التَّوحيدُ كلُّ التّوحيد

  1. (١) كذا في النسخ بدلًا من «الذين».
526

أن يشهد كلَّ شيءٍ دليلًا عليه مرشدًا إليه، ومعلومٌ أنَّ الرُّسلَ أدلّةٌ للتّوحيد، فكيف لا أشهدهم كذلك؟ وكيف يجتمع الإيمانُ بهم وعدمُ شهودهم أدلّةً للتّوحيد؟

فانظر ماذا أدّى إليه إنكارُ الأسباب، والسُّلوكُ على درب الفناء في توحيد الأفعال! فهذا هو مقتضاه وطرده، وإلّا تناقض أصحابه. وقد قال تعالى لرسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. والهادي: هو الدّليل الذي يدلُّ بهم في الطّريق إلى الله والدّار الآخرة.

ولا يناقض هذا قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقولَه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨] فإنّ الله سبحانه تكلّم بهذا وهذا١. فرسُلُه الهُداةُ هدايةَ الدّلالة والبيان، وهو الهادي هدايةَ التّوفيق والإلهام. فالرُّسلُ هم الأدلَّاءُ حقًّا، والله سبحانه هو الموفِّقُ الملِهمُ الخالقُ للهدى في القلوب.

قوله: (ولا في التّوكُّل سببًا) يريد: أنّك تجرِّد التّوكُّلَ عن الأسباب. فإن أراد تجريده عن القيام بها فباطلٌ، كما تقدّم، وإن أراد تجريدَه عن الرُّكون إليها والوثوق بها فهو حقٌّ. وإن أراد تجريده عن شهودها فشهودُها على ما هي عليه أكمل، ولا يقدح في التَّوحيد بوجهٍ ما.

وكذلك قوله: (ولا في النّجاة وسيلةٌ) إنّما يصحُّ على وجهٍ واحدٍ، وهو أن لا يشهد حصول النّجاة بمجرَّد الوسائل من الأعمال والأسباب. وأمّا إلغاءُ

  1. (١) ت: «وبهذا».
527

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي