مدارج السالكين

كونها وسائل، فباطلٌ مخالفٌ للشَّرع والعقل. وأمّا عدمُ شهودها وسائل، مع اعتقاد١ كونها وسائل٢، فليس بكمالٍ. وشهودُها وسائل ــ كما جعلها الله سبحانه ــ أكمَلُ مشهدًا، وأصحُّ٣ طريقًا، وبالله التّوفيق.

وقد بيّنَّا ــ فيما تقدَّم ــ أنّ الكمال: أنَّ تشهد العبوديّةَ وقيامَك بها، وتشهد أنّها من عين المنّة٤ والفضل، وتشهد المعبودَ؛ فلا تغِبْ بشهوده عن شهود أمره، ولا تغِبْ بشهود أمره عن شهوده، ولا تَغِبْ بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنّته وتوفيقه، وشهود فقرك وفاقتك وأنّك به لا بك.

وقد خرج النّبيُّ ﷺ يومًا على حلقةٍ من أصحابه، وهم يتذاكرون، فقال: «ما أجلسكم؟». قالوا: جلسنا نذكر٥ ما منَّ الله به علينا وهدانا بك إلى الإسلام. فقال: «آللهِ، ما أجلَسَكم إلّا ذلك؟» قالوا: آللهِ ما أجلَسَنا إلّا ذلك. فقال: «أمَا إنِّي لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنَّ الله يباهي بكم الملائكة»٦. ولم يقل لهم: لا تشهدوا في التّوحيد دليلًا، ولا في النّجاة وسيلةً؛ بل كان من أسباب مباهاة الله بهم ملائكته: شهودُهم سببَ التّوحيد، ووسيلةَ النّجاة، وأنّها من منِّ الله عليهم وفضله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ

  1. (١) ت: «اعتبار».
  2. (٢) بعدها في ش، د زيادة: «للشرع».
  3. (٣) ش، د: «أوضح».
  4. (٤) ت: «المشيئة»، تصحيف.
  5. (٥) ت: «نتذاكر».
  6. (٦) تقدَّم تخريجه (ص ٢١٥).
528

الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فكيف يكون كمالُهم في أن لا يشهدوا الدَّليلَ الذي يزكِّيهم ويعلِّمهم ويهديهم، ويسقطونه من الشُّهود والسَّببيّة؟

قوله: (فيكون شاهدًا سبقَ الحقِّ بعلمه وحكمه، ووضعِه الأشياء مواضعها، وتعليقهِ إيّاها بأحايينها، وإخفائه إيّاها في رسومها).

ليس١ الشُّهود هاهنا متعلِّقًا بمجرّد أزليّة الرَّبِّ تعالى وتقدُّمه على كلِّ شيءٍ فقط، بل متعلِّقٌ بسبق العلم والتَّقدير، فيرى الأشياء بعين سوابقها، وقد تقرَّرت هناك في علم الرَّبِّ وتقديره، فينظر إليها هناك إذا نظر إليها النَّاس هاهنا، فيتجاوز نظرُه نظرَهم، فيغلب شهودُ السَّوابق على ملاحظة اللَّواحق، فيشهد تفرُّدَ الرَّبِّ وحده حيث لا موجود٢ سواه، وقد علم الكوائنَ وقدَّر مقاديرها، ووقَّت مواقيتها، وقرَّرها على مقتضى علمه وحكمته. وقد سبق العلمُ المعلومَ، والقدرُ المقدورَ، والإرادةُ المرادَ، فيرى الأشياءَ كلَّها ثابتةً في علم الحقِّ سبحانه وحكمِه قبل وجود العوالم. فأيَّ وسيلةٍ يشهد هناك؟ وأيَّ سببٍ؟ وأيَّ دليلٍ؟

هذا الذي يدندن الشَّيخُ حوله؛ وقد عرفتَ أنَّ العلمَ والحكمَ سبَقَ بوجود المسبَّبات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلّتها، كما سبَقَ العلمُ والحكمُ بوجود الولد عن أبويه، والمطرِ عن السَّحاب، والنَّباتِ عن الماء، والإزهاقِ عن القتل، وأسبابِ الموت= فهذه هي المشاهدة الصَّحيحةُ، لا إسقاطُ الأسباب والوسائل والأدلّة.

  1. (١) ت: «أي ليس» بزيادة «أي».
  2. (٢) ت: «موجد».
529

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي