مدارج السالكين

الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فكيف يكون كمالُهم في أن لا يشهدوا الدَّليلَ الذي يزكِّيهم ويعلِّمهم ويهديهم، ويسقطونه من الشُّهود والسَّببيّة؟

قوله: (فيكون شاهدًا سبقَ الحقِّ بعلمه وحكمه، ووضعِه الأشياء مواضعها، وتعليقهِ إيّاها بأحايينها، وإخفائه إيّاها في رسومها).

ليس١ الشُّهود هاهنا متعلِّقًا بمجرّد أزليّة الرَّبِّ تعالى وتقدُّمه على كلِّ شيءٍ فقط، بل متعلِّقٌ بسبق العلم والتَّقدير، فيرى الأشياء بعين سوابقها، وقد تقرَّرت هناك في علم الرَّبِّ وتقديره، فينظر إليها هناك إذا نظر إليها النَّاس هاهنا، فيتجاوز نظرُه نظرَهم، فيغلب شهودُ السَّوابق على ملاحظة اللَّواحق، فيشهد تفرُّدَ الرَّبِّ وحده حيث لا موجود٢ سواه، وقد علم الكوائنَ وقدَّر مقاديرها، ووقَّت مواقيتها، وقرَّرها على مقتضى علمه وحكمته. وقد سبق العلمُ المعلومَ، والقدرُ المقدورَ، والإرادةُ المرادَ، فيرى الأشياءَ كلَّها ثابتةً في علم الحقِّ سبحانه وحكمِه قبل وجود العوالم. فأيَّ وسيلةٍ يشهد هناك؟ وأيَّ سببٍ؟ وأيَّ دليلٍ؟

هذا الذي يدندن الشَّيخُ حوله؛ وقد عرفتَ أنَّ العلمَ والحكمَ سبَقَ بوجود المسبَّبات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلّتها، كما سبَقَ العلمُ والحكمُ بوجود الولد عن أبويه، والمطرِ عن السَّحاب، والنَّباتِ عن الماء، والإزهاقِ عن القتل، وأسبابِ الموت= فهذه هي المشاهدة الصَّحيحةُ، لا إسقاطُ الأسباب والوسائل والأدلّة.

  1. (١) ت: «أي ليس» بزيادة «أي».
  2. (٢) ت: «موجد».
529

قوله: (ووضعِ الأشياء مواضعَها، وتعليقِها بأحايينها، وإخفائها في رسومها)، هذه ثلاثة أشياء: المكان، والزَّمان، والمادَّة، التي لابدَّ لكلِّ مخلوقٍ منها؛ فإنَّ المخلوقَ لابدَّ له من زمانٍ يوجد فيه، ومكانٍ يستقرُّ فيه، ومادّةٍ يوجد بها؛ فأشار إلى الثَّلاثة. فالمواضع: الأمكنة. والأحايين: الأزمنة. والرُّسوم: الموادُّ١ الحاملة لها. والرُّسوم: هي الصُّور الخلقيّة. وكأنّ الشَّيخ أراد بها هاهنا الأسباب، وأنّ الله سبحانه غطّى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلُّق المسبَّبات بأسبابها، فنسبوها إليها. فصاحبُ هذه الدّرجة شهِد كيف أظهر الرّبُّ سبحانه الأشياء في موادِّها وصورها، وأظهَرَها بأسبابها، وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك. فالظُّهور: للأسباب المشاهدة، والحقيقة للعلم والحكم السَّابقين.

قوله: (ويحقِّق معرفة العلل)، يريد أنَّ هذا التَّوحيدَ يحقِّق لصاحبه معرفة علل الأحوال والمقامات والأعمال. وهي عبارةٌ عن عوائق السّالك من نظرِه إلى السِّوى، والتفاته إليه. فهذه الدّرجةُ من التّوحيد عنده تحقِّق معرفة هذه العلل.

ويحتمل أن يريد بالعلل: الأسبابَ التي رُبطت بها الأحكام. فصاحبُ هذه الدّرجة يعرف حقيقتها ومرتبتها٢ كما هي عليه، لأنّه قد صعد منها إلى مسبِّبها وواضعها.

قوله: (ويسلك سبيل إسقاط الحدث)، يريد أنّه في هذا الشُّهود وهذه

  1. (١) ش، د: «والمواد».
  2. (٢) ت: «ترتيبها».
530

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي