مدارج السالكين

الملاحظة المذكورة سالكٌ سبيلَ الذين شهدوا عينَ الأزل، فنفى عنهم شهودَ الحدث. وذلك بالفناء في حضرة الجمع، فإنّها هي التي يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.

فإن أراد بإسقاط الحدَث أنّه يعتقد نفيَ حدوثِ شيءٍ، فهذا مكابرةٌ للحسِّ والشُّهود. وإن أراد إسقاطَ الحدث من قلبه، فلا يشهد مُحْدَثًا ــ وهذا مراده ــ فهذا خلاف ما أُمِر به وخلافُ الحقِّ، فإنَّ العبدَ مأمورٌ أن يشهد: أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويشهد أنّ الجنَّة حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، والسَّاعةَ حقٌّ، والنَّبيِّين حقٌّ؛ ويشهد حدوثَ المحدَثات بإحداث الرَّبِّ تعالى لها بمشيئته وقدرته، وبما خلقه من الأسباب، ولما خلقه من الحكم. ولم يُؤمَر العبد ــ بل لم يُرَدْ منه ــ أن لا يشهد حادثًا ولا حدوثَ شيءٍ. وهذا لا كمال فيه ولا معرفة، فضلًا عن أن يكون غايةَ العارف وتوحيدَ الخاصَّة. والقرآنُ ــ من أوّله إلى آخره ــ صريحٌ بخلافه، فإنّه أمرَ بشهود الحادثات والكائنات، والنّظر فيها، والاعتبار بها، والاستدلال بها على وحدانيّة الله سبحانه وعلى أسمائه وصفاته. فأعرَفُ النّاس به وبأسمائه وصفاته أعظَمُهم شهودًا لها، ونظرًا فيها، واعتبارًا بها. فكيف يكون لبُّ التّوحيد وقلبُه وسرُّه إسقاطَها من الشُّهود؟

فإن قلت: إنّما يريد إسقاطَها من التفات القلب إليها والوقوف معها.

قلتُ: هذا قد تقدَّم في أوّل الدّرجة في قوله: (وهو إسقاط الأسباب الظّاهرة)، وقد عرفتَ ما فيه.

وبالجملة: فالإسقاطُ إمّا لِعَين الوجود، أو لِعَين الشُّهود، أو لِعَين القُصود. فالأوّل: محالٌ، والثّاني: نقصٌ، والثّالث: حقٌّ، لكنّه ليس مراد

531

الشَّيخ، فتأمّله.

وقولهم: «فني من لم يكن، وبقي من لم يزل»، إن أرادوا به: فني في الوجود الخارجيِّ، فهذا مكابرةٌ. وإن أرادوا به أنّه فني في الشُّهود، فهذا نقصٌ في الإيمان والتّوحيد كما تقرّر. وإن أرادوا به أنه يفنى في القصد والإرادة والمحبّة، فهذا هو الحقُّ، وهو الفناء عن إرادة السِّوى وقصده ومحبّته.

قوله: (هذا توحيد الخاصّة، الذي يصحُّ بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يعني: توحيد المتوسِّطين الذين ارتفعوا عن العامَّة، ولم يصلوا إلى منزل خاصَّة الخاصَّة.

وقوله: (يصحُّ بعلم الفناء)، ولم يقل: بحقيقة الفناء، لأنَّ درجة العلم في هذا السُّلوك قبل درجة الحال والمعرفة، وصاحبُ هذه الدرجة متوسِّطٌ لم يبلغ الغاية، وحالُ الفناء لصاحب الدّرجة الثّالثة.

وكذلك قوله: (ويصفو في علم الجمع)، فإنّ علم الجمع قبل حال الجمع، كما تقدَّم في بابه.

وقوله: (ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يريد: أنَّ هذا المقامَ يجذب أهله إلى توحيد الفريق الذين فوقهم، وهم أصحاب الجمع.

وقد تقدّم ذكرُ الجمع١ ولم يحصل به الشِّفاء. ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه، والصَّحيح منه والمعلول. والله المستعان.

الجمعُ في اللُّغة: الضّمُّ. والاجتماعُ: الانضمام. والتّفريق: ضدُّه. وأمّا في

  1. (١) قبل منزلة التوحيد هذه.
532

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي