مدارج السالكين

الشَّيخ، فتأمّله.

وقولهم: «فني من لم يكن، وبقي من لم يزل»، إن أرادوا به: فني في الوجود الخارجيِّ، فهذا مكابرةٌ. وإن أرادوا به أنّه فني في الشُّهود، فهذا نقصٌ في الإيمان والتّوحيد كما تقرّر. وإن أرادوا به أنه يفنى في القصد والإرادة والمحبّة، فهذا هو الحقُّ، وهو الفناء عن إرادة السِّوى وقصده ومحبّته.

قوله: (هذا توحيد الخاصّة، الذي يصحُّ بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يعني: توحيد المتوسِّطين الذين ارتفعوا عن العامَّة، ولم يصلوا إلى منزل خاصَّة الخاصَّة.

وقوله: (يصحُّ بعلم الفناء)، ولم يقل: بحقيقة الفناء، لأنَّ درجة العلم في هذا السُّلوك قبل درجة الحال والمعرفة، وصاحبُ هذه الدرجة متوسِّطٌ لم يبلغ الغاية، وحالُ الفناء لصاحب الدّرجة الثّالثة.

وكذلك قوله: (ويصفو في علم الجمع)، فإنّ علم الجمع قبل حال الجمع، كما تقدَّم في بابه.

وقوله: (ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يريد: أنَّ هذا المقامَ يجذب أهله إلى توحيد الفريق الذين فوقهم، وهم أصحاب الجمع.

وقد تقدّم ذكرُ الجمع١ ولم يحصل به الشِّفاء. ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه، والصَّحيح منه والمعلول. والله المستعان.

الجمعُ في اللُّغة: الضّمُّ. والاجتماعُ: الانضمام. والتّفريق: ضدُّه. وأمّا في

  1. (١) قبل منزلة التوحيد هذه.
532

اصطلاح القوم: فهو شخوصُ البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرِّقاتُ كلُّها. وهو ثلاثة أنواعٍ: جمعُ وجودٍ ــ وهو جمعُ الزّنادقة من أهل الاتِّحاد ــ، وجمعُ شهودٍ، وجمعُ قصودٍ. فإذا تحرَّرت هذه الأقسام تحرَّر الجمعُ الصَّحيحُ والفاسد.

وكذلك الفرق ينقسم إلى صحيحٍ وفاسدٍ، أعني إلى مطلوبٍ في السُّلوك وإلى قاطعٍ عن السُّلوك. فالفرقُ ثلاثة أنواعٍ: فرقٌ طَبْعيٌّ١ حيوانيٌّ، وفرقٌ إسلاميٌّ، وفرقٌ إيمانيٌّ، فهذه أقسامٌ ستَّةٌ للجمع والفرق.

فنذكر أنواع الفرق أوّلًا، إذ بها تعرف أنواع الجمع.

فأمّا الفرق الطَّبعيُّ الحيوانيُّ، فهو التَّفريق بمجرَّد الطَّبع والميل، فيفرِّق بين ما يفعله ولا يفعله٢ بطبعه وهواه. وهذا فرقُ الحيوانات وأشباهها من بني آدم، فالمعيارُ: ميلُ طبعه، ونفرةُ طبعه. والمشركون والكفّار وأهل الظُّلم والعدوان واقفون مع هذا الفرق.

وأمّا الفرقُ الإسلاميُّ، فهو الفرقُ بين ما شرعه الله وأمَر به وأحبّه٣ ورضيه، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقَت فاعله. وهذا الفرقُ من لم يكن من أهله لم يشَمَّ رائحةَ الإسلام البتّة. وقد حكى الله سبحانه عن أهل الفرق الطَّبعيِّ أنّهم أنكروا هذا الفرق، فشهدوا الجمعَ بين المأمور والمحظور، فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لا فرقَ بينهما، وقالوا: الميتة

  1. (١) في ت هنا وفيما بعد: «طبيعي».
  2. (٢) «لا يفعله» ساقط من ش، د.
  3. (٣) ت: «أوجبه».
533

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي