مدارج السالكين

المحيطَ، ويشهد اكتسابَ العباد وما جرى به عليهم القدرُ من الطَّاعات والمعاصي، ويشهد حكمةَ الرَّبِّ تعالى وأمرَه ونهيَه وحبَّه وكراهتَه.

فصل

إذا عرفتَ هذه المقدِّمات فالجمعُ الصَّحيحُ الذي عليه أهلُ الاستقامة هو: جمعُ توحيد الرُّبوبيّة وجمعُ توحيد الإلهيّة.

فيشهد صاحبُه قيُّوميّةَ الرَّبِّ تعالى فوق عرشه يدبِّر أمرَ عباده وحده. فلا خالق ولا رازق، ولا معطي ولا مانع، ولا مميت ولا محيي، ولا مدبِّر لأمر المملكة ــ ظاهرًا وباطنًا ــ غيره. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. لا تتحرّك ذرّةٌ إلّا بإذنه، ولا يجري حادثٌ إلّا بمشيئته، ولا تسقط ورقةٌ إلّا بعلمه، ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلّا١ وقد أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته. فهذا جمعُ توحيد الرُّبوبيّة.

وأمّا جمعُ توحيد الإلهيّة، فهو: أن يجمع٢ قلبَه وهمَّه وعزمَه وإرادتَه وحركاتِه على أداء حقِّه والقيامِ بعبوديّته، فتجتمع شؤونُ إرادته على مراده الدِّينيِّ الشّرعيِّ.

وهذان الجمعان هما حقيقةُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فإنَّ العبدَ يشهد من قوله ﴿إِيَّاكَ﴾ الذّاتَ الجامعةَ لجميع صفات الكمال التي لها كلُّ الأسماء الحسنى، ثمّ يشهد من قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ جميعَ أنواع العبادة

  1. (١) لم ترد «إلا» في ش، د.
  2. (٢) ش، د: «يجتمع».
537

ظاهرًا وباطنًا، قصدًا وقولًا وعملًا، حالًا١ واستقبالًا. ثمّ يشهد من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعَ الاستعانة والتّوكُّل والتّفويض، فيشهد منه جمعَ الرُّبوبيّة. ويشهد من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ جمعَ الإلهيّة، ويشهد من ﴿إِيَّاكَ﴾ الذّاتَ الجامعةَ لكلِّ الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا.

ثمّ يشهد من ﴿اهْدِنَا﴾ عشر٢ مراتب، إذا اجتمعت حصلت الهداية:

المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان٣، فيجعله عالمًا بالحقِّ مدركًا له.

الثّانية: أن يُقدِره عليه٤، وإلّا فهو غير قادرٍ بنفسه.

الثّالثة: أن يجعله مريدًا له.

الرّابعة: أن يجعله فاعلًا له.

الخامسة: أن يثبِّته على ذلك، ويستمرَّ به عليه.

السَّادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادَّة له.

السَّابعة: أن يهديه في الطَّريق نفسها هدايةً خاصّةً أخصَّ من الأولى، فإنّ الأولى هدايةٌ إلى الطّريق إجمالًا، وهذه هدايةٌ فيها وفي منازلها تفصيلًا.

الثَّامنة: أن يُشهِده المقصودَ في طريقه وينبِّهه عليه، فيكون مطالعًا له في سيره، ملتفتًا إليه، غير محتجبٍ بالوسيلة عنه.

  1. (١) ت: «وحالًا».
  2. (٢) ش، د: «عشرة».
  3. (٣) بعده في ت زيادة: «الثابتة».
  4. (٤) لم يرد «عليه» في ش، د.
538

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي