مدارج السالكين

ظاهرًا وباطنًا، قصدًا وقولًا وعملًا، حالًا١ واستقبالًا. ثمّ يشهد من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعَ الاستعانة والتّوكُّل والتّفويض، فيشهد منه جمعَ الرُّبوبيّة. ويشهد من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ جمعَ الإلهيّة، ويشهد من ﴿إِيَّاكَ﴾ الذّاتَ الجامعةَ لكلِّ الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا.

ثمّ يشهد من ﴿اهْدِنَا﴾ عشر٢ مراتب، إذا اجتمعت حصلت الهداية:

المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان٣، فيجعله عالمًا بالحقِّ مدركًا له.

الثّانية: أن يُقدِره عليه٤، وإلّا فهو غير قادرٍ بنفسه.

الثّالثة: أن يجعله مريدًا له.

الرّابعة: أن يجعله فاعلًا له.

الخامسة: أن يثبِّته على ذلك، ويستمرَّ به عليه.

السَّادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادَّة له.

السَّابعة: أن يهديه في الطَّريق نفسها هدايةً خاصّةً أخصَّ من الأولى، فإنّ الأولى هدايةٌ إلى الطّريق إجمالًا، وهذه هدايةٌ فيها وفي منازلها تفصيلًا.

الثَّامنة: أن يُشهِده المقصودَ في طريقه وينبِّهه عليه، فيكون مطالعًا له في سيره، ملتفتًا إليه، غير محتجبٍ بالوسيلة عنه.

  1. (١) ت: «وحالًا».
  2. (٢) ش، د: «عشرة».
  3. (٣) بعده في ت زيادة: «الثابتة».
  4. (٤) لم يرد «عليه» في ش، د.
538

التَّاسعة: أن يُشهِده فقرَه وضرورتَه إلى هذه الهداية فوقَ كلِّ ضرورةٍ.

العاشرة: أن يُشهِده الطَّريقين المنحرفين عن طريقها، وهما: طريقُ أهل الغضب الذين عدلوا عن اتِّباع الحقِّ قصدًا وعنادًا، وطريقُ أهل الضَّلال الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا.

ثمّ يشهد جمعَ «الصِّراط المستقيم» في طريقٍ واحدٍ عليه جميعُ أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين.

فهذا هو الجمعُ الذي عليه رسلُ الله وأتباعُهم، فمن حصل له هذا الجمع، فقد هُدي إلى الصِّراط المستقيم.

فصل

قال الشّيخ رحمه الله تعالى١: (وأمّا التّوحيد الثّالث، فهو توحيدٌ اختصَّه الحقُّ لنفسه، واستحقَّه بقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفةٍ من صفوته، وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثِّه)٢.

فيقال: إمّا أن يريد بهذا التّوحيد توحيدَ العبد لربِّه، وهو ما قام بالعبد من التّوحيد؛ أو يريد به توحيد الرَّبِّ لنفسه، وهو ما قام به من صفاته وكلامه.

فإن أردتَ٣ به توحيدَ الرَّبِّ لنفسه بنفسه، وهو علمه وكلامه وخبره

  1. (١) عبارة الترحم من ت.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ١١٢).
  3. (٣) كذا في النسخ، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ الفعل «يريد» في الفقرة السابقة مسندًا إلى المخاطب: «تريد» خلافًا للنسخ. وفي المطبوع: «فإذا أراد».
539

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي