مدارج السالكين

التَّاسعة: أن يُشهِده فقرَه وضرورتَه إلى هذه الهداية فوقَ كلِّ ضرورةٍ.

العاشرة: أن يُشهِده الطَّريقين المنحرفين عن طريقها، وهما: طريقُ أهل الغضب الذين عدلوا عن اتِّباع الحقِّ قصدًا وعنادًا، وطريقُ أهل الضَّلال الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا.

ثمّ يشهد جمعَ «الصِّراط المستقيم» في طريقٍ واحدٍ عليه جميعُ أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين.

فهذا هو الجمعُ الذي عليه رسلُ الله وأتباعُهم، فمن حصل له هذا الجمع، فقد هُدي إلى الصِّراط المستقيم.

فصل

قال الشّيخ رحمه الله تعالى١: (وأمّا التّوحيد الثّالث، فهو توحيدٌ اختصَّه الحقُّ لنفسه، واستحقَّه بقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفةٍ من صفوته، وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثِّه)٢.

فيقال: إمّا أن يريد بهذا التّوحيد توحيدَ العبد لربِّه، وهو ما قام بالعبد من التّوحيد؛ أو يريد به توحيد الرَّبِّ لنفسه، وهو ما قام به من صفاته وكلامه.

فإن أردتَ٣ به توحيدَ الرَّبِّ لنفسه بنفسه، وهو علمه وكلامه وخبره

  1. (١) عبارة الترحم من ت.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ١١٢).
  3. (٣) كذا في النسخ، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ الفعل «يريد» في الفقرة السابقة مسندًا إلى المخاطب: «تريد» خلافًا للنسخ. وفي المطبوع: «فإذا أراد».
539

الذي يخبر به عن نفسه وصفاته، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الحشر: ٢٢] ونحو ذلك= فذلك هو صفةُ الرّبِّ القائمةُ به، كما يقوم به سائر صفاته من حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته، وسمعه وبصره. وذلك لا يفارق ذاتَ الرَّبِّ وينتقل إلى غيره، بل صفاتُ المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف صفاتُ الخالق!

والله١ سبحانه يدلُّ على ذلك بآياته القوليّة والفعليّة، فيُعلِمُ عباده ما قام به من التَّوحيد لنفسه، بما دلَّهم عليه من قوله وفعله. فإذا شهد عبدُه له بما شهد به لنفسه، قيل: هذه الشَّهادة هي شهادة الرَّبِّ، بمعنى: أنّها٢ مطابقةٌ لها موافقةٌ، لا بمعنى أنّها عينُها وأنَّ الشّهادتين واحدةٌ بالعين. فما قام بقلب العبد إلّا صفته وكلامه وخبره وإرادته، وهو غيرُ ما قام بذات الرَّبِّ من صفته وكلامه وخبره، وإن طابقه ووافقه.

وعلى هذا فقوله: (اختصَّه الحقُّ لنفسه) أي لا يوحِّده به غيره. وقوله: (واستحقّه بقدره) أي استحقَّه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره.

وقوله: (وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفةٍ من صفوته)، أي أظهَرَ منه شيئًا يسيرًا أسرَّه إلى طائفةٍ قليلةٍ من الخلق، وهم أهل صفوته.

وقوله: (أخرَسَهم عن نعته) يحتمل أن يريد به: أنّه لا يقبل نعتَ المخلوقين كما لا يقبل لسانُ الأخرس الكلامَ؛ وعلى هذا فيكون نعتُه غير

  1. (١) ما عدا ت: «ولكنه».
  2. (٢) ش، د: «أنه».
540

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي