مدارج السالكين

وأيضًا، فمن وحَّده من الخلق فلابدَّ أن يصفه بصفةٍ، وذلك يتضمَّن جحدَ حقِّه الذي هو عدُم انحصاره تحت الأوصاف. فمَن١ وصَفَه فقد جحَد إطلاقَه عن قيود الصِّفات.

وقوله:

(توحيدُ من ينطق عن نعتهعاريةٌ أبطلها الواحدُ)

يعني: توحيدُ النّاطقين عنه عاريَّةٌ مردودةٌ كما تُستردُّ العواري، إشارةً إلى أنّ توحيدهم ليس ملكًا لهم، بل الحقُّ أعارهم إيّاه، كما يُعير المعيرُ متاعَه لغيره ينتفع به، ويكون ملكًا للمُعير لا للمستعير.

وقوله: (أبطلها الواحدُ)، أي: الواحدُ المطلقُ من كلِّ الوجوه وحدتُه تُبطِل هذه العاريَّةَ وتردُّها إلى مالكها الحقِّ، فإنَّ الوحدة المطلقة من جميع الوجوه تُنافي ملكَ الغير لشيءٍ من الأشياء، بل المالكُ لتلك العاريَّة هو الواحد فقط، فلذلك أبطلت الوحدةُ هذه العارية.

وقوله: (توحيدُه إيّاه توحيدُه)، أي: توحيدُه الحقيقيُّ هو توحيدُه لنفسه بنفسه، من غير أثرٍ للسِّوى بوجهٍ، بل لا سوى هناك.

وقوله: (ونعت من ينعته لاحدُ)، أي: نعتُ النّاعت له إلحادٌ، وهو عدولٌ عمّا يستحقُّه من كمال التَّوحيد، فإنّه أسند إلى نزاهة الحقِّ ما لا يليق به إسنادُه، فإنَّ عينَ الأزليَّة تأبى نطقَ الحدَث، ومحضَ التّوحيد يأبى أن يكون للسِّوى أثرٌ البتّة.

  1. (١) ت: «فمتى».
543

فيقال١ ــ وبالله التّوفيق ــ: في هذا الكلام من الإجمال والحقِّ والإلحاد٢ ما لا يخفى.

فأمّا قوله: «إنَّ الرَّبَّ تعالى هو الموحِّد لنفسه في قلوب صفوته، لا أنّهم هم الموحِّدون»، إن أريد به ظاهره، وأنَّ الموحِّدَ لله هو الله لا غيره، وأنَّ الله سبحانه حلَّ في صفوته، حتّى وحَّد نفسَه، فيكون هو الموحِّدَ لنفسه في قلوب أوليائه، لاتِّحاده بهم أو حلوله فيهم= فهذا قول النّصارى بعينه، بل هو شرٌّ منه؛ لأنّهم خصُّوه بالمسيح، وهؤلاء عمُّوا به كلَّ موحِّدٍ. بل عند الاتِّحاديّة: الموحِّدُ والموحَّدُ واحدٌ، وما ثمَّ تعدُّدٌ في الحقيقة.

وإن أريد به أنه هو الذي وفَّقهم لتوحيده، وألهمهم إيّاه، وجعلهم يوحِّدونه، فهو الموحِّدُ لنفسه بما عرَّفهم به من توحيده، وألقاه في قلوبهم وأجراه على ألسنتهم= فهذا المعنى صحيحٌ، ولكن لا يصحُّ نفيُ أفعالهم عنهم، فلا يقال: إنَّ الله هو الموحِّدُ لنفسه، لا أنَّ عبدَه يوحِّده. هذا باطلٌ شرعًا وعقلًا وحسًّا، بل الحقُّ أن يقال: إنَّ الله سبحانه وحَّد نفسَه بتوحيدٍ قام به، ووحَّده عبيدُه بتوحيدٍ قام بهم بإذنه ومشيئته وتوفيقه. فهو الموحِّدُ لنفسه بنفسه، وهم الموحِّدون له٣ بتوفيقه ومعونته وإذنه.

فالّذي قام بهم ليس هو الرَّبَّ تعالى ولا وصفَه، بل العلمُ به ومحبّتُه ومعرفتُه وتوحيدُه، ويسمّى ذلك «الشّاهد» و«المثل الأعلى». فهي الشّواهد

  1. (١) ت: «فنقول».
  2. (٢) ت: «والإيجاز»، تصحيف.
  3. (٣) «له» ساقط من ت.
544

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي