فيقال١ ــ وبالله التّوفيق ــ: في هذا الكلام من الإجمال والحقِّ والإلحاد٢ ما لا يخفى.
فأمّا قوله: «إنَّ الرَّبَّ تعالى هو الموحِّد لنفسه في قلوب صفوته، لا أنّهم هم الموحِّدون»، إن أريد به ظاهره، وأنَّ الموحِّدَ لله هو الله لا غيره، وأنَّ الله سبحانه حلَّ في صفوته، حتّى وحَّد نفسَه، فيكون هو الموحِّدَ لنفسه في قلوب أوليائه، لاتِّحاده بهم أو حلوله فيهم= فهذا قول النّصارى بعينه، بل هو شرٌّ منه؛ لأنّهم خصُّوه بالمسيح، وهؤلاء عمُّوا به كلَّ موحِّدٍ. بل عند الاتِّحاديّة: الموحِّدُ والموحَّدُ واحدٌ، وما ثمَّ تعدُّدٌ في الحقيقة.
وإن أريد به أنه هو الذي وفَّقهم لتوحيده، وألهمهم إيّاه، وجعلهم يوحِّدونه، فهو الموحِّدُ لنفسه بما عرَّفهم به من توحيده، وألقاه في قلوبهم وأجراه على ألسنتهم= فهذا المعنى صحيحٌ، ولكن لا يصحُّ نفيُ أفعالهم عنهم، فلا يقال: إنَّ الله هو الموحِّدُ لنفسه، لا أنَّ عبدَه يوحِّده. هذا باطلٌ شرعًا وعقلًا وحسًّا، بل الحقُّ أن يقال: إنَّ الله سبحانه وحَّد نفسَه بتوحيدٍ قام به، ووحَّده عبيدُه بتوحيدٍ قام بهم بإذنه ومشيئته وتوفيقه. فهو الموحِّدُ لنفسه بنفسه، وهم الموحِّدون له٣ بتوفيقه ومعونته وإذنه.
فالّذي قام بهم ليس هو الرَّبَّ تعالى ولا وصفَه، بل العلمُ به ومحبّتُه ومعرفتُه وتوحيدُه، ويسمّى ذلك «الشّاهد» و«المثل الأعلى». فهي الشّواهد
(١) ت: «فنقول».
(٢) ت: «والإيجاز»، تصحيف.
(٣) «له» ساقط من ت.
والأمثلة العلميَّة، التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الروم: ٢٧] وقال: ﴿يَحْكُمُونَ ٥٩ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ﴾[النحل: ٦٠]. وكثيرًا ما يقول الرّجلُ لغيره: أنت في قلبي وفي فؤادي، والمراد هذا، لا ذاتُه ونفسُه.
وقوله: (والّذي يشار إليه على ألسنة المشيرين أنّه إسقاطُ الحدث، وإثباتُ القِدَم). إن أريد إسقاطُه من الوجود، فمكابرةٌ للعيان. وإن أريد به إسقاطُه من الشُّهود، فليس ذلك بمأمورٍ به، ولا هو كمالٌ، فضلًا عن أن يكون هو توحيدَ خاصَّة الخاصَّة. فما هذا الإسقاط للحدوث الذي هو نهاية التّوحيد وأعلى مقاماته؟ وهل الكمال إلّا أن يشهد الأشياء على ما هي عليه، كما هي في شهادة الحقِّ سبحانه؟
فإسقاطُ الحدوث كلامٌ لا حاصل له، إذ١ لا كمال فيه؛ بل إنّما ينفع إسقاطُ الحدوث عن درجة القصد والتّألُّه. فإسقاطُ الحدوث ــ كما تقدَّم ــ ثلاثُ مراتب: إسقاطه عن الوجود وهو مكابرةٌ، وإسقاطه عن الشُّهود وهو نقصٌ، وإسقاطه عن القصود وهو كمالٌ.
ولهذا قال الملحد٢: «إسقاطُ الحدوث وإثباتُ القِدَم صحيحٌ في نظر الوارد على هذه الحضرة لضعفه، فإذا تمكّن عرَفَ أنَّ الحدوث لم يزل ساقطًا. فلا معنى لقوله: «إسقاط الحدوث»، ولا معنى لقوله: «إثبات