مدارج السالكين

القِدَم»، فإنَّ القِدَم لم يزل ثابتًا.

فهذا الكلام لا يرضى به الموحِّد ولا الملحد، ولا أشار إليه القرآن الذي تضمّن أعلى مراتب التّوحيد! بل القرآن من أوّله إلى آخره يدلُّ على خلافه.

قال الملحد١: وأيضًا فإنَّ التَّوحيدَ يستغرق القولَ في الطَّمس٢. فإن كان هناك نطقٌ، فليس هناك شهودٌ، كما قال في «المواقف»٣: أنا أقرب إلى اللِّسان من نطقه إذا نطق، فمن شهدني لم يذكر، ومن ذكرني لم يشهد.

قال٤: فقوله: «من ذكرني لم يشهد» هو نفسُ قول صاحب «المنازل»: «على أنَّ هذا الرَّمزَ في ذلك التَّوحيد علّةٌ لا يصحُّ ذلك التّوحيد إلّا بإسقاطها».

وحقيقة ذلك: أنّه لا يصحُّ التّوحيد إلّا بإسقاط التّوحيد، لأنَّ ذلك الرَّمزَ والإشارةَ والخبرَ هو عن نفس التَّوحيد، فهو توحيدٌ نطقيٌّ خبريٌّ مطابقٌ للتّوحيد المعلوم المخبَر عنه. فإذا لم يصحَّ التَّوحيدُ إلّا بإسقاط ذلك كانت حقيقةُ الأمر أنّه لا يصحُّ التَّوحيد إلّا بإسقاط التَّوحيد!

  1. (١) المصدر السابق.
  2. (٢) قال صاحب «لطائف الإعلام» (ص ٤٨١): «الطمس: ذهاب ظلمة السَّيَّار في تجلِّي نور الأنوار بحيث لم يبقِ النورُ من ظلمته رسمًا ولا أثرًا». وانظر: «موسوعة مصطلحات التصوف» (ص ٥٨١).
  3. (٣) يعني: «كتاب المواقف» لمحمد بن عبد الجبار النِّفَّري (ص ٣).
  4. (٤) «شرح التلمساني» (٢/ ٦١٠).
546

ثمّ قال١: (هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطّريق، وإن زخرفوا له نعوتًا، وفصَّلوه فصولًا). يعني: أنَّ قولهم: «التّوحيدُ هو إسقاطُ الحدَث وإثبات القِدَم» هو قطبُ مدار الإشارات إلى التّوحيد عند هذه الطّائفة.

ومع هذا، فلا يصحُّ التّوحيدُ إلّا بإسقاط ما قالوه. ولذلك قال٢: (فإنّ ذلك التّوحيدَ تزيده العبارةُ خَفاءً، والصِّفة نُفورًا، والبسطُ صعوبةً). فإنّه إذا لم يصحَّ إلّا بإسقاط الإشارة والصِّفة والبسط كانت العبارةُ عنه لا تزيده إلّا خفاءً، ولا الصِّفةُ إلّا نِفارًا، أي هروبًا وذهابًا، والبسطُ والإيضاحُ لا يزيده إلّا صعوبةً لكثرة الإشارات والعبارات.

قوله٣: (وإلى هذا التّوحيد شخَصَ أهلُ الرِّياضة وأربابُ الأحوال ــ أي تطلّعت٤ قلوبُهم ــ وله قصَد أهلُ التّعظيم. وإيّاه عنى المتكلِّمون في عين الجمع. وعليه تصطلم الإشارات، ثمّ لم ينطق عنه لسانٌ، ولم تشر إليه عبارةٌ)٥.

فيقال: يالله العجب! ما هذا السِّرُّ الذي ما تكلَّم الله به، ولا أشار إليه هو ولا رسولُه، ولا نالته إشارةٌ، ولا قامت به عبارةٌ، ولا أشار إليه مكوَّنٌ، ولا

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١١٢).
  2. (٢) المصدر السابق.
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١١٢ - ١١٣).
  4. (٤) ت: «وتطلعت»، وهو خطأ.
  5. (٥) بعده في «المنازل»: «فإنَّ التوحيد وراء ما يشير إليه مكوَّنٌ، أو يتعاطاه حينٌ، أو يقلُّه سبب». وسيأتي في كلام المؤلف إشارة إلى هذه العبارة.
547

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي