مدارج السالكين

والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذمِّهم. بل قد عدُّوا١ النّاسَ كأصحابَ القبور٢، لا يملكون٣ لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فالعملُ لأجل هؤلاء وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم٤ للضَّرِّ والنّفع منهم، لا يكون من عارفٍ بهم البتّة، بل من جاهلٍ بشأنهم وجاهلٍ بربِّه.

فمَن عرف النّاس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبّه وبغضه. ولا يعامل أحدٌ الخلقَ دون الله إلّا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلّا فإذا عرَف الله وعرَف النّاس آثرَ معاملةَ الله على معاملتهم. وكذلك أعمالُهم كلُّها وعباداتهم موافقةٌ لأمر الله ولما يحبُّه ويرضاه. وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عاملٍ سواه. وهو الذي بَلَا عبادَه بالموت والحياة لأجله. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾٥ [الملك: ٢]. وجعل ما على الأرض زينةً لها ليختبرهم٦ أيُّهم أحسن عملًا. قال الفضيل بن عياضٍ ﵁: هو أخلَصُه وأصوَبُه. قالوا: يا أبا عليٍّ ما أخلَصُه وأصوَبُه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتّى يكون خالصًا

  1. (١) ما عدا ش: "أعدوا".
  2. (٢) ع: "بمنزلة أصحاب القبور".
  3. (٣) ما عدا ش، ع: "ولا يملكون"، وقد ضرب على الواو في م.
  4. (٤) في م، ش: "رضاهم"، وهكذا غيَّر بعضهم في ل.
  5. (٥) ما عدا ع: "وهو الذي خلق ... "، سهو.
  6. (٦) م، ش: "ليبلوهم".
129

صوابًا. فالخالص: أن يكون لله. والصّواب: أن يكون١ على السُّنّة٢.

وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. فلا يقبل الله من العمل إلّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فمردودٌ٣ على عامله، يعود أحوجَ ما هو إليه هباءً منثورًا. وفي "الصّحيح"٤ عن النّبيِّ ﷺ: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". وكلُّ عملٍ بلا اقتداءٍ فإنّه لا يزيد عاملَه من الله إلّا بعدًا، فإنّ الله تعالى إنّما يُعبَد بأمره، لا بالآراء والأهواء.

فصل

الضّرب الثّاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقًا للشرع، ولا هو خالصٌ للمعبود، كأعمال المتزيِّنين للنّاس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ﷿ ورسوله. وهؤلاء٥ شرار الخلق، وأمقَتُهم إلى الله ﷿. ولهم أوفر نصيبٍ من قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

  1. (١) ع: "والخالص ما كان لله والصواب ما كان".
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" (٢٢) وبسنده الثعلبي في "الكشف والبيان" (٩/ ٣٥٦). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٥).
  3. (٣) ع: "فهو مردود".
  4. (٤) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂ بنحوه.
  5. (٥) ع: "وهؤلاء هم".
130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي