مدارج السالكين
سِرْ حيث شئتَ فإنَّ الله ثَمَّ وقُلما شئتَ فيه فإنَّ الواسعَ اللهُ١

وقال أيضًا:

عقد الخلائقُ في الإله عقائدًاوأنا اعتقدتُ جميعَ ما عقدوهُ٢

ومذهبُ القوم: أنَّ عُبَّاد الأوثان وعبَّاد الصُّلبان وعبَّاد النِّيران وعبَّاد الكواكب كلَّهم موحِّدون، فإنّه ما عُبِد غيرُ الله٣ في كلِّ معبودٍ عندهم، ومن خَرَّ للأحجار في البُدِّ٤ ومَن عبَد النَّارَ والصَّليبَ فهو موحِّدٌ عابدٌ لله. والشِّركُ عندهم إثباتُ وجودٍ قديمٍ وحادثٍ، وخالقٍ ومخلوقٍ، وربٍّ وعبدٍ. ولهذا قال بعض عارفيهم، وقد قيل له: القرآنُ كلُّه يُبطِل قولَكم، فقال: القرآن كلُّه شركٌ، والتَّوحيدُ هو ما نقوله٥.

  1. (١) لم أجده في «ديوان ابن عربي»، وقد ورد في «مجموع الفتاوى» (٢/ ٩٩) من غير عزوه.
  2. (٢) أنشده شيخ الإسلام في «الرد على الشاذلي» (ص ١٧٩) لابن عربي. ولما سئل عن كلمات ورد البيت ضمنها منسوبًا إلى الحلَّاج كما في «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٨٨)، فقال (٢/ ٣١١): «هذا البيت يُعرف لابن عربي، فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثَّل به هو، فإضافته إلى الحلاج صحيحة، وهو كلام متناقض باطل». ولم يرد البيت في «ديوان الحلاج» الذي جمعه ماسينيون أو كامل مصطفى الشيبي.
  3. (٣) ت: «فإنه عُبِد الله».
  4. (٤) البُدُّ هنا: بيت الأصنام، وهو الصنم نفسه، فارسيّ معرَّب. وفي مطبوعة «الرد على البكري» (ص ٣٠٦): «البندر»، تحريف.
  5. (٥) حكاه الشيخ كمال الدين المراغي عن التلمساني. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٤٤)، (١٣/ ١٨٦).
550

وإن كانت هذه القوافي الثّلاثة أولى بمذهب هؤلاء ونحلتهم. ولهذا تلقّاها بالقبول عارفوهم وبالغوا في استحسانها، وقالوا: هي ترجمةُ مذهب أهل التَّحقيق. فكلُّ من وحَّد الله فهو جاحدٌ لإطلاقه، فإنّه يصفه فيحصره تحت الأوصاف، وحصرُه تحتها جحدٌ لإطلاقه عن قيود الصِّفات والنُّعوت. ولهذا كان توحيدُ الواصف النّاعت له عاريَّةً استعارها حتّى قام له من ذلك وصفٌ وموصوفٌ، وموحِّدٌ وموحَّدٌ. والوحدةُ المطلقةُ تُبطل هذه العاريَّةَ، وتردُّ المستعار إلى الوجود المطلق الذي لا يتقيَّد بوصفٍ ولا يتخصَّص بنعتٍ.

ثمّ كشف الغطاء عن ذلك، فقال: (توحيده إيّاه توحيدُه)، أي هو الموحِّد لنفسه بنفسه، لا أنَّ غيرَه يوحِّده، إذ ليس ثمَّ غيرٌ.

وزاد إيضاح ذلك بقوله: (ونعتُ من ينعته لاحدُ). والإلحاد هو الميل عن الصَّواب، والنَّعتُ تقييدٌ وتخصيصٌ لمن لا يتقيَّد ولا يتخصَّص، فهو إلحادٌ.

وأحسَنُ ما يحمل عليه كلامه: أنَّ الفناءَ في شهوده الأزليّةَ والحكمَ يمحو شهودَ العبد لنفسه وصفاته، فضلًا عن شهود غيره، فلا يشهد موجودًا فاعلًا على الحقيقة إلّا الله وحده. وفي هذا الشُّهود تفنى الرُّسوم كلُّها، فلا يُبقي هذا الشُّهود والفناء رسمًا البتّة. فيمحو١ هذا الشُّهودُ من القلب كلَّ ما سوى الحقِّ٢، لا أنّه يمحَقُه من الوجود. وحينئذٍ يشهد أنَّ التَّوحيدَ الحقيقيَّ غيرَ

  1. (١) ت: «فيمحق».
  2. (٢) ت: «سوى الله تعالى».
551

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي