مدارج السالكين

صوابًا. فالخالص: أن يكون لله. والصّواب: أن يكون١ على السُّنّة٢.

وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. فلا يقبل الله من العمل إلّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فمردودٌ٣ على عامله، يعود أحوجَ ما هو إليه هباءً منثورًا. وفي "الصّحيح"٤ عن النّبيِّ ﷺ: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". وكلُّ عملٍ بلا اقتداءٍ فإنّه لا يزيد عاملَه من الله إلّا بعدًا، فإنّ الله تعالى إنّما يُعبَد بأمره، لا بالآراء والأهواء.

فصل

الضّرب الثّاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقًا للشرع، ولا هو خالصٌ للمعبود، كأعمال المتزيِّنين للنّاس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ﷿ ورسوله. وهؤلاء٥ شرار الخلق، وأمقَتُهم إلى الله ﷿. ولهم أوفر نصيبٍ من قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

  1. (١) ع: "والخالص ما كان لله والصواب ما كان".
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" (٢٢) وبسنده الثعلبي في "الكشف والبيان" (٩/ ٣٥٦). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٥).
  3. (٣) ع: "فهو مردود".
  4. (٤) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂ بنحوه.
  5. (٥) ع: "وهؤلاء هم".
130

[آل عمران: ١٨٨]. يفرَحون بما أتَوا من البدعة والضّلالة والشِّرك، ويحبُّون أن يُحْمَدوا باتِّباع السُّنّة والإخلاص.

وهذا الضَّرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصِّراط المستقيم، فإنّهم يرتكبون البدعَ والضَّلالات والرِّياء والسُّمعة، ويحبُّون أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوه من الاتِّباع والإخلاص والعلم، فهم أهل الغضب والضّلال.

الضّرب الثّالث: مَن هو مخلصٌ في أعماله، لكنَّها١ على غير متابعة الأمر، كجُهَّال العُبَّاد والمنتسبين إلى طريق الزُّهد والفقر. وكلُّ من عبد الله بغير أمره واعتقده قربةً إلى الله فهذه حاله، كمن يظنُّ أنَّ سماعَ المُكَاء والتّصدية قربةٌ، وأنّ الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربةٌ، وأنّ مواصلة صوم النّهار باللّيل قربةٌ، وأنَّ صيامَ يوم فطر النّاس كلِّهم قربةٌ، وأمثال ذلك.

الضّرب الرّابع: مَن أعمالُه على متابعة الأمر، لكنّها لغير الله تعالى، كطاعات المرائين، وكالرّجل يقاتل رياءً وحميّةً وشجاعةً وللمغنَم، ويحُجُّ ليقال، ويقرأ القرآن ليقال. فهؤلاء أعمالهم أعمالٌ صالحةٌ مأمورٌ بها، لكنّها غير خالصة، فلا تُقبَل. ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] فكلُّ أحدٍ لم يؤمر إلّا بعبادة الله بما أَمَر، والإخلاص له في العبادة، وهم أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

  1. (١) يعني: الأعمال. وفي ش: "لكنه".
131

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي