مدارج السالكين

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغالُ بمساعدته، وإغاثة لهفته١، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.

والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيّةُ القلب والهمّة على تدبُّره وتفهُّمه، حتّى كأنّ الله تعالى يخاطبك به، فتجمَعُ قلبَك على فهمه وتدبُّره والعزم على تنفيذ أوامره أعظمَ من جمعيّةِ قلبِ مَن جاءه كتابٌ من السُّلطان على ذلك.

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهادُ في التّضرُّع والدعاء والذكر دون الصَّوم المُضْعِف عن ذلك.

والأفضل في أيّام عشر ذي الحجّة: الإكثار من التّعبُّد، لاسيّما التّكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيِّن.

والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزومُ المسجد فيه، والخلوةُ والاعتكافُ دون التّصدِّي لمخالطة النّاس والاشتغال بهم، حتّى إنّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلمَ وإقرائهم القرآنَ عند كثيرٍ من العلماء.

والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادتُه، وحضورُ جنازته وتشييعه، وتقديمُ ذلك على خلوتك وجمعيّتك.

والأفضل في وقت نزول النّوازل وأذى النّاس لك: أداءُ واجب الصّبر مع خلطتك لهم٢، دون الهرب منهم، فإنَّ المؤمنَ الذي يخالط النّاس ويصبر

  1. (١) في جميع النسخ ما عدا ع: "وإعانة رفقته"، وكذا في الأصل بإهمال الكلمتين، وهو تحريف.
  2. (٢) ع: "بهم".
137

على أذاهم أفضَلُ من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خيرٌ من عزلتهم فيه. وعزلتُهم في الشّرِّ، فهي١ أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنّه إذا خالطهم أزاله أو قلله فهي خيرٌ من عزلتهم.

فالأفضلُ في كلِّ وقتٍ وحالٍ: إيثارُ مرضاة الله تعالى في ذلك الوقت والحال، والاشتغالُ بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.

وهؤلاء هم أهل التّعبد المطلَق. والأصنافُ قبلهم أهل التّعبد المقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النّوع الذي تعلَّق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنّه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجهٍ واحدٍ. وصاحبُ التّعبد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضُه تتبُّعُ مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدارُ تعبُّدِه عليها. فهو لا يزال منتقلًا٢ في منازل العبوديّة، كلَّما رُفِعت له منزلةٌ عمِل على سيره إليها واشتغل بها حتّى تلوح له منزلةٌ أخرى. فهذا دأبه في السَّير حتّى ينتهي سيره٣. فإن رأيتَ العلماءَ رأيته معهم، وإن رأيت العُبَّادَ رأيته معهم، وإن رأيتَ المجاهدين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ الذّاكرين رأيته معهم، وإن رأيتَ المتصدِّقين المحسنين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ أرباب الجمعيّة وعكوف القلب على الله رأيته معهم.

فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه٤ الرُّسوم، ولم تقيِّده القيود،

  1. (١) لم ترد "فهي" في ع.
  2. (٢) هكذا بالنون قبل التاء في جميع النسخ.
  3. (٣) ع: "مسيره".
  4. (٤) ع: "لا تملكه".
138

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي