مدارج السالكين

على أذاهم أفضَلُ من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خيرٌ من عزلتهم فيه. وعزلتُهم في الشّرِّ، فهي١ أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنّه إذا خالطهم أزاله أو قلله فهي خيرٌ من عزلتهم.

فالأفضلُ في كلِّ وقتٍ وحالٍ: إيثارُ مرضاة الله تعالى في ذلك الوقت والحال، والاشتغالُ بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.

وهؤلاء هم أهل التّعبد المطلَق. والأصنافُ قبلهم أهل التّعبد المقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النّوع الذي تعلَّق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنّه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجهٍ واحدٍ. وصاحبُ التّعبد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضُه تتبُّعُ مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدارُ تعبُّدِه عليها. فهو لا يزال منتقلًا٢ في منازل العبوديّة، كلَّما رُفِعت له منزلةٌ عمِل على سيره إليها واشتغل بها حتّى تلوح له منزلةٌ أخرى. فهذا دأبه في السَّير حتّى ينتهي سيره٣. فإن رأيتَ العلماءَ رأيته معهم، وإن رأيت العُبَّادَ رأيته معهم، وإن رأيتَ المجاهدين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ الذّاكرين رأيته معهم، وإن رأيتَ المتصدِّقين المحسنين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ أرباب الجمعيّة وعكوف القلب على الله رأيته معهم.

فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه٤ الرُّسوم، ولم تقيِّده القيود،

  1. (١) لم ترد "فهي" في ع.
  2. (٢) هكذا بالنون قبل التاء في جميع النسخ.
  3. (٣) ع: "مسيره".
  4. (٤) ع: "لا تملكه".
138

ولم يكن عملُه على مراد نفسه وما فيه لذّتها وراحتها من العبادات، بل على مراد ربِّه ﷿، ولو كانت راحة نفسه ولذّتها في سواه.

فهذا المتحقِّق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حقًّا، القائمُ بهما صدقًا. ملبسه ما تهيَّأَ، ومأكله ما تيسَّرَ، واشتغالُه بما أُمِر به في كلِّ وقتٍ بوقته، ومجلسه حيث انتهى ووجده خاليًا. لا تملكه إشارةٌ، ولا يتعبَّده١ قيدٌ، ولا يستولي عليه رسمٌ. حرٌّ مجرَّدٌ، دائرٌ مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنَّى توجَّهتْ ركائبُه، ويدور معه حيث استقلَّت مضاربُه. يأنسَ به كلُّ مُحِقٍّ، ويستوحش منه كلُّ مبطلٍ. كالغيث حيث وقَع نفَع. وكالنخلة لا يسقط ورقُها، وكلُّها منفعةٌ حتّى شوكُها. وهو موضعُ الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضبِ إذا انتُهِكَتْ محارمُ الله. فهو لله وبالله ومع الله. قد صحِبَ الله بلا خَلْقٍ، وصحِبَ النّاسَ بلا نَفْسٍ. بل إذا كان مع الله عزَلَ الخلائق من البين، وتخلَّى عنهم. وإذا كان مع خَلْقه عزَلَ نفسَه من الوسط وتخلّى عنها. فواهًا٢! ما أغربَه بين النّاس! وما أشدَّ وحشته منهم! وما أعظم أنسَه بالله وفرَحَه به وطمأنينته به وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان.

فصل٣

ثمّ للنّاس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقٌ أربعةٌ، وهم في ذلك أربعة أصنافٍ.

الصِّنف الأوّل: نفاة الحِكَم والتّعليل، الذين يردُّون الأمر إلى محض

  1. (١) هكذا في الأصل وع، وكذا كان في ل فغيِّر إلى "يقيِّده" كما في النسخ الأخرى.
  2. (٢) بعده زيادة في ع: "له".
  3. (٣) بإزائه في هامش ق: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه".
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي