مدارج السالكين

ورسولُه أمنُّ١. ولا نقصَ في منّة الوالد على ولده، ولا عارَ عليه في احتمالها؛ وكذلك السّيِّد على عبده. فكيف ربُّ العالمين الذي إنّما تتقلّب الخلائق في مجرَّد منّته٢ عليهم، ومحضِ صدقته عليهم، بلا عوضٍ منهم البتّة! وإن٣ كانت أعمالهم أسبابًا لما ينالونه من كرمه وجوده، فهو المانُّ عليهم بأن وفَّقَهم لتلك الأسباب وهداهم لها، وأعانهم عليها، وكمَّلها لهم، وقَبِلها منهم على ما فيها!

وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخولَ الجنّة في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فهذه باء السّببيّة ردًّا على القدريّة الجبريّة الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال والجزاء، ولا هي أسبابٌ له، وإنّما غايتُها أن تكون أماراتٍ! قالوا: وليست أيضًا مطّردةً، لتخلُّف الجزاء عنها في الخير والشّرِّ، فلم يبقَ إلّا محضُ الأمر والمشيئة.

فالنُّصوصُ مبطلةٌ لقول هؤلاء، كما هي مبطلةٌ لقول أولئك. وأدلَّةُ المعقول والفطرة أيضًا تُبطل قول الفريقين، وتُبيِّن لمن له قلبٌ ولبٌّ مقدارَ قول أهل السُّنّة. وهم الفرقة الوسط المثبتون لعموم مشيئة الله وقدرته وخلقِه العبادَ وأعمالَهم، ولحكمته التّامّة المتضمِّنة ربطَ الأسباب بمسبَّباتها، وانعقادَها بها شرعًا وقدرًا، وترتُّبَها عليها عاجلًا وآجلًا.

  1. (١) كما ورد في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁، أخرجه البخاري (٤٣٣٠) ومسلم (١٠٦١).
  2. (٢) ع: "مننه"، وغيِّرت كلمة "مجرَّد" إلى "بحر".
  3. (٣) ش: "منه البتة وإنما".
146

وكلُّ واحدةٍ من الطّائفتين المنحرفتين تركت نوعًا من الحقِّ، ارتكبت١ لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا! وهدى الله أهلَ السُّنّة لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه. ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

فصل

الصِّنف الثالث: الذين زعموا أنّ فائدةَ العبادة رياضةُ النُّفوس، واستعدادُها لفيض العلوم عليها، وخروجُ قواها عن قوى النُّفوس السَّبعيّة والبهيميّة؛ فلو عطِّلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السِّباع والبهائم. فالعباداتُ تُخْرِجُها عن مألوفها وعوائدها، وتنقلُها إلى مشابهة العقول المجرَّدة، فتصير عالمةً قابلةً لانتقاش صور العلوم والمعارف فيها.

وهذا تقوله طائفتان: إحداهما: من تقرَّبَ إلى النُّبوّات والشّرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وعدم انشقاق الأفلاك، وعدم الفاعل المختار.

والطائفة الثانية: من تفلسف من صوفيّة الإسلام وتقرَّب إلى الفلاسفة، فإنّهم يزعمون أنَّ العباداتِ رياضاتٌ لاستعداد النُّفوس وتجرُّدها، ومفارقتها العالمَ الحسِّيَّ، ونزول الواردات والمعارف عليها.

ثمّ من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلّا لهذا المعنى، فإذا حصل لها بقي مخيَّرًا في حفظ أوراده، أو الاشتغال بالوارد عنها.

  1. (١) ع: "وارتكب".
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي