فمَن أنكر حقيقة الإلهيّة ولم يعرفها، كيف يستقيم له معرفةُ حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شُرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له العلمُ بأنّها هي الغاية المقصودة بالخلق، فلها خُلِقوا، ولها أُرسلت الرُّسل، وأُنزلت الكتب، ولأجلها خُلِقت الجنّة والنار؛ وأنّ فرضَ تعطيل الخليقة عنها نسبةُ الله٢ إلى ما لا يليق به، ويتعالى عنه مَن خلق السّماوات والأرض بالحقِّ، ولم يخلقهما باطلًا، ولم يخلق الإنسان عبثًا ولم يتركه٣ سدًى مهملًا. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[المؤمنون: ١١٥] أي لغير شيءٍ ولا حكمةٍ، ولا لعبادتكم لي ومجازاتي لكم. وقد صرَّح تعالى بهذا في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾٤[الذاريات: ٥٦]. فالعبادة هي الغايةُ التي خلق لها الجنّ والإنس والخلائق كلّها.
(١) ج: "وكارتباط"، وقد زاد بعضهم الواو في ق، ل أيضًا. وهو خطأ، فإن ما ذكر بعده من أمثلة ارتباط متعلَّق الصفات بالصفات. وقد خفي السياق على من زاد الواو.
(٢) م، ج، ع: "لله".
(٣) كان السياق في الأصل: " ... مِن خلقِ السماوات والأرض باطلًا ويخلق الإنسان عبثًا ويتركه"، وهو بيان ما لا يليق بالله ويتعالى عنه. ثم أصلح في المتن والهامش كما أثبت من النسخ الأخرى. و"مَن" في "من خلق السماوات ... " في هذا السياق فاعل "يتعالى".
(٤) ع: "ليعبدوني" على قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "تحبير التيسير" (ص ٥٦٤).
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾[القيامة: ٣٦]. أي مهملًا. قال الشّافعيُّ ﵁١: لا يؤمر ولا يُنْهى. وقال غيرُه: لا يثاب ولا يعاقب٢. والصحيح الأمران، فإنّ الثَّوابَ والعقابَ مترتِّبٌ٣ على الأمر والنهي، والأمرُ والنهيُ هو طلبُ العبادة وإرادتُها، وحقيقةُ العبادة امتثالُهما.
فإذا كانت السّماوات والأرض وما بينهما خُلِقت لهذا، وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنّه لا علّة له، ولا حكمةٌ مقصودةٌ هي غايته، أو إنّ ذلك لمجرَّد استئجار العُمَّال حتّى لا يتكدَّر عليهم الثّوابُ بالمنّة، أو لمجرَّد٤ استعداد النُّفوس للمعارف العقليّة وارتياضها لمخالفة العوائد!
فليتأمَّل اللّبيبُ الفرقانَ بين هذه الأقوال وبين ما دلَّ عليه صريحُ الوحي
(١) في "الرسالة" (ص ٢١) و"أحكام القرآن" (١/ ٣٦).
(٢) نقله في "بدائع الفوائد" (٤/ ١٥٩٥) بلفظ "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب". ولم أقف عليه. والقولان نقلهما المؤلف غير مرَّة في كتبه. انظر مثلًا: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٨٧، ١٠٧٢) وسيأتي قوله بعد نقلهما في منزلة التوبة (ص ٣٧٠): "وهما متلازمان".