وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾[القيامة: ٣٦]. أي مهملًا. قال الشّافعيُّ ﵁١: لا يؤمر ولا يُنْهى. وقال غيرُه: لا يثاب ولا يعاقب٢. والصحيح الأمران، فإنّ الثَّوابَ والعقابَ مترتِّبٌ٣ على الأمر والنهي، والأمرُ والنهيُ هو طلبُ العبادة وإرادتُها، وحقيقةُ العبادة امتثالُهما.
فإذا كانت السّماوات والأرض وما بينهما خُلِقت لهذا، وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنّه لا علّة له، ولا حكمةٌ مقصودةٌ هي غايته، أو إنّ ذلك لمجرَّد استئجار العُمَّال حتّى لا يتكدَّر عليهم الثّوابُ بالمنّة، أو لمجرَّد٤ استعداد النُّفوس للمعارف العقليّة وارتياضها لمخالفة العوائد!
فليتأمَّل اللّبيبُ الفرقانَ بين هذه الأقوال وبين ما دلَّ عليه صريحُ الوحي
(١) في "الرسالة" (ص ٢١) و"أحكام القرآن" (١/ ٣٦).
(٢) نقله في "بدائع الفوائد" (٤/ ١٥٩٥) بلفظ "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب". ولم أقف عليه. والقولان نقلهما المؤلف غير مرَّة في كتبه. انظر مثلًا: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٨٧، ١٠٧٢) وسيأتي قوله بعد نقلهما في منزلة التوبة (ص ٣٧٠): "وهما متلازمان".
(٣) ل، ج: "مرتب".
(٤) ل: "ولمجرَّد"، وهو سهو.
يجِدْ أصحابَ هذه الأقوال ما قدرَوا الله حقَّ قدره، ولا عرفوه حقَّ معرفته. فالله تعالى إنّما خلَق الخَلْقَ لعبادته الجامعة لكمال محبّته مع الخضوع له والانقياد لأمره.
فأصلُ العبادة: محبّةُ الله، بل إفرادُه بالمحبّة، وأن يكون الحبُّ كلُّه لله، فلا يُحِبُّ معه سواه، وإنّما يُحِبُّ ما يحبُّه١ لأجله وفيه، كما يُحِبُّ أنبياءَه ورسلَه وملائكتَه وأولياءه. فمحبّتنُا لهم من تمام محبّته، وليست محبّةً معه كمحبَّة من يتّخذ من دون الله أندادًا يحبُّهم٢ كحبِّه.
وإذا كانت المحبّة له هي حقيقة عبوديّته وسرّها، فهي إنّما تتحقَّق باتِّباع أمره واجتناب نهيه. فعندَ اتِّباع الأمر والنّهي٣ تتبيَّن حقيقةُ العبوديّة والمحبّة. ولهذا جعل سبحانه اتِّباعَ رسوله ﷺ عَلَمًا عليها، وشاهدًا لمن ادَّعاها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١]. فجعَل اتِّباعَ رسوله مشروطًا بمحبّتهم لله، وشرطًا لمحبّة الله لهم. ووجودُ المشروط ممتنعٌ بدون تحقُّق شرطه٤، فعُلِمَ انتفاءُ المحبّة عند انتفاء المتابعة. فانتفاءُ محبّتهم لله لازمٌ لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاءُ المتابعة ملزومٌ لانتفاء محبّة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوتُ محبّتهم لله، وثبوتُ محبّة الله لهم بدون المتابعة لرسوله ﷺ. ودلَّ على أنّ متابعة الرَّسول هي
(١) ع: "يحبُّ".
(٢) ع: "يحبونهم".
(٣) ع: "واجتناب النهي". وما أثبته من الأصل وغيره معناه: عند امتثال الأمر والنهي فيأتمر بما أُمر وينتهي عما نُهي عنه.