مدارج السالكين

يجِدْ أصحابَ هذه الأقوال ما قدرَوا الله حقَّ قدره، ولا عرفوه حقَّ معرفته. فالله تعالى إنّما خلَق الخَلْقَ لعبادته الجامعة لكمال محبّته مع الخضوع له والانقياد لأمره.

فأصلُ العبادة: محبّةُ الله، بل إفرادُه بالمحبّة، وأن يكون الحبُّ كلُّه لله، فلا يُحِبُّ معه سواه، وإنّما يُحِبُّ ما يحبُّه١ لأجله وفيه، كما يُحِبُّ أنبياءَه ورسلَه وملائكتَه وأولياءه. فمحبّتنُا لهم من تمام محبّته، وليست محبّةً معه كمحبَّة من يتّخذ من دون الله أندادًا يحبُّهم٢ كحبِّه.

وإذا كانت المحبّة له هي حقيقة عبوديّته وسرّها، فهي إنّما تتحقَّق باتِّباع أمره واجتناب نهيه. فعندَ اتِّباع الأمر والنّهي٣ تتبيَّن حقيقةُ العبوديّة والمحبّة. ولهذا جعل سبحانه اتِّباعَ رسوله ﷺ عَلَمًا عليها، وشاهدًا لمن ادَّعاها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فجعَل اتِّباعَ رسوله مشروطًا بمحبّتهم لله، وشرطًا لمحبّة الله لهم. ووجودُ المشروط ممتنعٌ بدون تحقُّق شرطه٤، فعُلِمَ انتفاءُ المحبّة عند انتفاء المتابعة. فانتفاءُ محبّتهم لله لازمٌ لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاءُ المتابعة ملزومٌ لانتفاء محبّة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوتُ محبّتهم لله، وثبوتُ محبّة الله لهم بدون المتابعة لرسوله ﷺ. ودلَّ على أنّ متابعة الرَّسول هي

  1. (١) ع: "يحبُّ".
  2. (٢) ع: "يحبونهم".
  3. (٣) ع: "واجتناب النهي". وما أثبته من الأصل وغيره معناه: عند امتثال الأمر والنهي فيأتمر بما أُمر وينتهي عما نُهي عنه.
  4. (٤) ع: "بدون وجود شرطه وتحققه".
151

حبُّ الله ورسوله وطاعةُ أمره.

ولا يكفي ذلك في العبوديّة حتّى يكون الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، فلا يكون عنده شيءٌ أحبَّ إليه من الله ورسوله. ومتى كان عنده شيءٌ أحبَّ إليه منهما فهذا هو الشِّرك الذي لا يُغفَر لصاحبه البتّة، ولا يهديه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].

فكلُّ مَن قدَّم طاعةَ أحدِ هؤلاء١ على طاعة الله ورسوله، أو قولَ أحدٍ منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاةَ أحدٍ منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوفَ أحدٍ منهم ورجاءَه والتوكُّلَ عليه على خوف الله ورجائه والتوكُّل عليه، أو معاملةَ أحدٍ منهم٢ على معاملة الله= فهو ممّن ليس اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممّا سواهما. وإن قاله بلسانه فهو كذبٌ منه، وإخبارٌ بخلاف ما هو عليه. وكذلك من قدَّمَ حكمَ أحدٍ على حكم الله ورسوله، فذلك عنده أحبُّ إليه من الله ورسوله.

لكن قد يشتبه الأمر على من يقدِّم قولَ أحدٍ أو حكمَه أو طاعتَه أو مرضاتَه ظنًّا منه أنّه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلّا ما قاله الرّسول، فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقَّى أقواله كذلك= فهذا معذورٌ إذا لم يقدِر على غير ذلك.

  1. (١) ع: "أحدٍ من هؤلاء".
  2. (٢) لم يرد "منهم" في ع.
152

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي