صفة محمَّدٍ ﷺ: محمَّدٌ رسول الله، عبدي ورسولي، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسّيِّئة السّيِّئة، ولكن يعفو ويغفر.
وعزَل الشّيطانَ عن سلطانه عليهم خاصّةً، وجعل سلطانه على من تولّاه وأشرك به، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾[الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿الرَّجِيمِ ٩٨ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ﴾[النحل: ٩٩ - ١٠٠].
وجعل النّبيُّ ﷺ إحسانَ العبوديّة أعلى مراتب الدِّين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل ﵇ وقد سأله عن٣ الإحسان: "أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"٤.
(١) في النسخ: "عبادي"، وهي قراءة يعقوب من العشرة في الوقف. انظر: "تحبير التيسير" (ص ٥٣٥).
(٢) هكذا في النسخ: "يا عبادي" على قراءة أبي عمرو وغيره.
(٣) "وقد سأله عن" ساقط من ش.
(٤) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
فصل
في لزوم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لكلِّ عبد إلى الموت
قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: ٩٩]. وقال أهل النّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦﴾[المدثر: ٤٦ - ٤٧]. واليقين هاهنا: الموت، بإجماع أهل التّفسير. وفي "الصحيح"١ في قصّة عثمان بن مظعونٍ ﵁ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "أمّا عثمان فقد جاءه اليقين من ربِّه" أي الموتُ وما فيه.
فلا ينفكُّ العبد من العبوديّة ما دام في دار التّكليف. بل عليه في البرزخ عبوديّةٌ أخرى لمَّا يسأله٢
المَلَكانِ: من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله ﷺ؟ ويلتمسان منه الجواب٣. وعليه عبوديّةٌ أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلقَ كلَّهم إلى السُّجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفّار والمنافقون لا يستطيعون السُّجود. فإذا دخلوا دارَ الثّواب والعقاب انقطع التّكليفُ هناك،
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٣) من حديث أمِّ العلاء الأنصارية ﵂.
(٢) لمَّا الحينية خاصة بالزمان الماضي، ودخولها على الفعل المضارع لحنٌ تكرَّر في كتب المؤلف. ومنه قوله في النونية (٤٤٢): لمَّا يناديهم أنا الدَّيَّان لا ... ظلمٌ لديَّ فيسمع الثقلانِ انظر: تعليقي عليه في "الكافية الشافية" (١/ ١٥٩)، و"الداء والدواء" (ص ١٦١).
(٣) كما جاء في حديث البراء بن عازب ﵄، أخرجه البخاري (١٣٦٩) ومسلم (٢٨٧١).