مدارج السالكين

أيضًا: واجبٌ مستحقٌّ، وكمالٌ مستحبٌّ.

وأمّا المختلف فيه فكالرِّضا، فإنَّ في وجوبه قولان١ للفقهاء والصُّوفيّة، والقولان لأصحاب أحمد٢. فمن أوجبه قال: السُّخط حرامٌ، ولا خلاص عنه إلّا بالرِّضا، وما لا خلاص عن الحرام إلّا به فهو واجبٌ. واحتجُّوا بأثر: "من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتّخذ ربًّا سوائي"٣.

ومن قال: هو مستحبٌّ، قال: لم يجئ الأمر به في القرآن ولا في السُّنّة،

  1. (١) كذا في جميع النسخ، وقد غيَّره بعضهم في ل إلى "قولين".
  2. (٢) انظر: "التحفة العراقية" (ص ٥٥) و"منهاج السنة" (٣/ ٢٠٤) وسيحكيهما المصنف عن شيخه في منزلة الرضا (٢/ ٤٧٧). وانظر أيضًا: "شفاء العليل" (ص ٢٧٨)، و"عدة الصابرين" (ص ٤٩).
  3. (٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٢٠) وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٤١١ - ٤١٢) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٠٤٧) والخطيب في "تلخيص المتشابه" (١/ ٨١) وغيرهم من طريق سعيد بن زياد: حدثني أبي زيادُ بنُ فائد، عن أبيه فائد بن زياد، عن جده زياد بن أبي هند، عن أبي هند الداري. وهذه نسخة تفرد بها سعيد هذا، قال ابن حبان: "لا أدري البلية ممن هي؛ أمِنْه، أو من أبيه، أو جده، لأن أباه وجدَّه لا يعرف لهما رواية إلا من حديث سعيد ... "، وقال الحافظ في "اللسان" (٣/ ٤٥٤): باطل، وانظر: "الضعيفة" (٥٠٥). وله شواهد أخرى ضعيفة وواهية لا يفرح بها. ينظر: "الأوسط" للطبراني (٧٢٧٣، ٨٣٧٠) و"السلسلة الضعيفة" (٥٠٦، ٧٤٧).
167

بخلاف الصَّبْر فإنّ الله أمر به في مواضع كثيرةٍ من القرآن١. وكذلك التّوكُّل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وأمر بالإنابة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]. وأمر بالإخلاص كقوله: ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ﴾٢ [غافر: ١٤]. وكذلك الخوف كقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ واخْشَوْنِ﴾٣ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَخَافُونِ﴾٤ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. وكذلك الصِّدق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وكذلك المحبّة، وهي أفرَضُ الواجبات، إذ هي قلبُ العبادة المأمور بها، ومخُّها وروحُها. وأمّا الرِّضا فإنّما جاء في القرآن مدحُ أهله والثّناءُ عليهم، لا الأمرُ به.

قالوا: وأمّا الأثر المذكور فإسرائيليٌّ، لا يحتجُّ به.

قالوا: وفي الحديث المعروف عن النبيِّ ﷺ: "إن استطعتَ أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل. فإن لم تستطع فإنَّ في الصَّبر على ما تكره النّفس خيرًا كثيرًا٥ "، وهو في بعض "السُّنن"٦.

  1. (١) ع: "من كتابه".
  2. (٢) في النسخ كلها: "فاعبدوا"، وهو سهو.
  3. (٣) هكذا في النسخ: "وخافوني" بالياء على قراءة أبي عمرو وصلًا.
  4. (٤) "واخشوني" أيضًا بالياء على قراءة أبي عمرو وصلًا.
  5. (٥) ق، ع: "خير كثير"، والمثبت من غيرهما.
  6. (٦) الذي في "بعض السنن" هو أصل هذا الحديث: "احفظ الله يحفظك ... "، فقد أخرجه الترمذي (٢٥١٦) وغيره من رواية حَنَش الصنعاني عن ابن عباس مرفوعًا، ولكن ليس فيه هذه الفقرة. وإنما أخرجه بهذه الزيادة هنَّاد في "الزهد" (٥٣٦) والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢٧٤) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٨) من رواية عمر مولى غُفرة عن ابن عباس ﵄. وعمر مولى غفرة ضعيف، والحديث ضعَّفه الألباني في "الضعيفة" (٥١٠٧).
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي